حين يكون اللطف لغة القلب
هناك أناسٌ يشبهون المطر
حين يزور الأرض العطشى،
لا يمرّون في حياتنا مرور العابرين،
بل يتركون وراءهم حدائق من الطمأنينة،
وأزهارًا من الذكريات الجميلة.
إذا حضروا أشرق المكان،
وإذا تحدثوا هدأت الضوضاء في الأرواح،
وكأن كلماتهم عصافير بيضاء
تحطّ على أغصان القلب المتعبة،
فتوقظه على أنغام الأمل.
وفي المقابل،
هناك من يشبه الريح العاصفة،
لا يترك خلفه سوى الغبار،
فإذا رحل عاد الهدوء إلى الطرقات،
وعادت الأرواح إلى ترتيب ما بعثره حضوره.
فليس كل اقترابٍ دفئًا،
ولا كل بُعدٍ خسارة،
فبعض الغياب رحمة،
كما أن بعض الحضور نعمة.
اللطف ليس كلمة تُقال فحسب،
بل نهرٌ خفيّ يجري بين القلوب،
يرويها دون ضجيج.
ولطف الكلمات
يشبه نسيم الفجر
حين يلامس أوراق الورد،
فلا يكسرها
بل يمنحها حياةً جديدة.
أما لطف التفكير
فهو كضوء القمر فوق بحرٍ هائج،
لا يوقف الأمواج،
لكنه يرشد السفن
إلى مرافئ الأمان.
ولطف المعاملة
شجرة وارفة،
كلما امتدت أغصانها في حياة الناس
أثمرت إخلاصًا وودًّا.
ولطف العطاء
غيمة كريمة،
لا تسأل الأرض عن لونها
قبل أن تمطرها،
لذلك ينبت الحب في القلوب
كما ينبت العشب
بعد أول قطرة مطر.
أما حسن الاختيار
فهو البوصلة التي لا تخطئ اتجاهها،
فمن أحسن اختيار من يرافقه
في دروب الحياة،
كمن اختار نجمًا صادقًا
يهتدي به في عتمة الليالي.
فالوفاء ليس وعدًا يُقال،
بل ظلّ شجرة
يبقى معك
حتى عندما تغيب الشمس.
أما أنتم يا قرائي الأعزاء...
فأنتم كنجومٍ تزين سماء الحرف،
كلما مررتم على الكلمات
أضأتم زواياها الخفية.
أنتم كالمطر
حين يلامس حقول المعاني،
فتورق الأفكار
وتزهر المشاعر.
وجودكم ليس مجرد قراءة،
بل حياةٌ تُمنح للنصوص،
وروحٌ تسري في أوصال الحروف.
فما الكاتب إلا عازفٌ على أوتار الشعور،
وما القارئ الوفي إلا النغمة
التي يكتمل بها اللحن.
علمتني الأيام
أن القلوب تشبه البساتين؛
لا تزهر بالكثرة،
بل بحسن الرعاية.
وأن أجمل الأرواح
ليست تلك التي تملك كل شيء،
بل تلك التي تمنح من حولها
شعورًا بأن الحياة
ما زالت تستحق أن تُعاش.
فازرعوا لطفكم حيثما حللتم،
فقد لا تتذكر الأيدي ما أعطيتم،
لكنها لا تنسى أبدًا
دفء القلب الذي منحها الأمان.
وكما لا تبخل الشمس بنورها على الأرض،
ولا يبخل النهر بمائه على الضفاف،
اجعلوا من رقتكم ميراثًا يسبق أسماءكم،
ومن أخلاقكم عطرًا
يبقى بعد رحيلكم.
بقلم الشاعر
الحكيم الجزائري