المذكرات الوردية ...
" لماذا لم انتبه الى مسألة
لونه ؟ نعم هو الوحيد صاحب البشرة الداكنة من بين اخوته ...صحيح والده اسمر ولكنه
سمار عادى ...سمار غالبية المصريين ...
فوجئت اول امس به يسألنى : انت
ربما ادرى منى بذلك ...هل كان واحد من
اجدادى , لأبى بالطبع , من اصول
سودانية او نوبية ؟ قلت لا ادرى , لم لا
تسأل والدك قال : تعرفين علاقتى السيئة به , لا احب ان
ادير معه حوارا
من اى نوع ...قلت : ولكن لماذا هذه
التفاهة ؟ لماذا تسأل الان عن ذلك ؟ هل
يؤرقك ان لونك اغمق قليلا من اخوتك
دى هيافة بصراحة ...ثم ان السمار
نصف الجمال كما يقولون ...الاترى
حجم المعجبات بسيدنى بواتييه مثلا او
محمد على كلاى ...على الاقل انت
افتح منهما بكثير !!! لم استطع ان ابدد
القلق والهم الذى يعتريه , ولكن هل
هو بالفعل مشغول بهذا الامر ؟ هو
معذور ربما لأنه يقارن نفسه بنا
نحن ال خلف الله ...ولكن نحن من اصل
تركى ...ولماذا المقارنة من الاصل
؟ انا عندما صادقته من بين كل اخوته
وحتى اقاربى الاخرين كان لانى رايت انه يملك دماغا
مختلفة , فكرا
مختلفا ....فماذا حدث ....قال انا
اعتقد ان والدى يفرق بينى وبين اخوتى فى
المعاملة بسبب اختلاف لونى ...هل مثلا
يشك فى نسبى ؟ لم املك الا ان
انفجر فى الضحك وقلت : انت اليوم
حقيقى اهبل ..ما الذى تقوله ؟ انت نسخة
بالكربون من اخوتك ...علت ضحكتى
اكثر وقلت : الظاهر ان خيالك راح
لبعيد جدا ...لايام كان والدك يعمل
فى السودان .....مش ممكن انت تشطح
كثيرا هذه الايام ....والدك بشاكسك
قليلا لانك الوحيد الذى تعارضه ومن
يدرى ربما كان معجبا بذلك ولكن
يعترض لان الاباء اعتادوا ذلك ....وعلى
فكرة انا ايضا الوحيدة التى تعارض
ابى ولهذا هو واخد منى موقف ولكن لا
اظن انه يكرهنى او يفرق بينى وبين اخواتى الا انى اعتقد انه
يخشانى
اطمئن ...لا احد يخشى الا من
الاذكياء والمتمردين ...لم يحدث مرة واحدة
ان دخلت معه فى مناقشة الا وافحمته
!! فاعرض تماما عن الدخول معى فى
اى نقاش...
قال :
ولكن والدى غير والدك , والدى عنده مرجعيتان لاثالث لهما الدين
والجيش !! اذا ناقشته فى اى شىء
يقول لى ولكن الله امرنا بكذا او الرسول
امرنا بكذا ...واذا خططت لاى شىء
لا يعجبه يقول : عندما كنت فى الجيش
كنت افعل كذا وكذا ...فطبعا لا ارد
عليه ...
صمت قليلا ثم بعد تردد قال :
تعرفين شيئا ؟ مرة قال لى كيكو وبكل
وضوح ان مفيش ربنا !! قلت وكيف وصل
الحديث الى هذه النقطة ؟ تردد
اكثر ثم استجمع شجاعته وقال : ابدا
...عندما كان يحرضنى على نادية قلت
له بس ده حرام
فقال لى بالحرف الواحد : يابنى انت لسه مصدق حكاية
الجنة والنار والاخرة والكلام ده ؟
يابنى مفيش حاجة اصلا اسمها ربنا ...ربنا
ده حاجة السلطة – اى سلطة – اخترعتها عشان تخوف الفقراء
والسذج
وكمان عشام تطمعهم فى حاجة وهمية
اسمها الجنة عشان يغوروا من وشهم
فيستمتعوا بثرواتهم اكتر واكتر ...فهمت يا حمار
؟
لم أدرى بماذا اجيبه فتعليقى يطول
شرحه ولن يستوعبه بسهولة كما ان كلام
كيكو لا ارفضه كله ...غيرت الموضوع
قائلة : شكلك كدة انك سمعت كلامه
وافترست البت نادية !! والا فبم
تفسر طفشانها من بيتكم ؟؟ لم يرد .
00000000000000000000000000000
احد ايام صيف عام 1978 ...اشرف
كمال فى حالة حزن شديد , فقد تلقى
لتوه نبأ رسوبه فى خمس مواد فى السنة الاولى فى
كلية تجارة بيروت
اما هشام فقد انتهى بالكاد من الدراسة فى معهد
السكرتارية المتوسط وهو
المعهد الوحيد الذى قبله بمجموعه
الضعيف فى الثانوية العامة اما كيكو فقد
وقف بين الفاشلين مزهوا بانتقاله
بسهولة من عام الى عام فى كلية هندسة
عين شمس , اصعب كلية فى مصر على حد
قوله ...
-
فكها شوية يا اشرف ...ما حصلش حاجة , كل الناس بتسقط
...
-
كان نفسى افرح ابويا ...
-
كفاية عليه البنات ...كلهن نجحن وبتقدير ...قال هشام
-
انا عارف شعورك ...مفيش حاجة حاتخرجه من الحالة
السيئة دى الا البت
انهار ....قال كيكو
-
حرام عليك يا شيخ وهو أد انهار ؟
-
قدها وقدود ...دى ما حاتصدق تشوف واد ابن ناس وحليوة
...
-
سيبونى فى حالى يا جماعة انا مش طايق اشوف حاجة
...اكيد ابويا حايتصل
دلوقت ...حايقول لى ارجع القاهرة فورا عشان يبستفنى
على راحته هناك !! ده
غير
المندبة اللى حاتعملها امى ..
-
وعشان كدة لازم تسمع الكلام ...لا يفل الحديد الا
الحديد ...لن ينسيك هذا
اليوم الكئيب الا سهرة
حلوة ونفسين احلى ...وكما يقول الخيام
" غد بظهر
الغيب
واليوم لى وكم يخيب الظن فى المقبل " طبعا انتم الاتنين حمير
وماتعرفوش مين
الخيام ده ...يللا مش مهم ...
وكالمعتاد , لا يستطيع اشرف ان
يقاوم اى شىء يقترحه كيكو ويوافق عليه
هشام ....ركبوا سيارة كيكو ال132
الخضراء وتوجهوا الى محرم بك فى
الاسكندرية ...وقفت السيارة امام
منزل متهالك ....دخل كيكو وخرج بعد
عشر دقائق ومعه انهار, فتاة سمراء نحيفة ترتدى بنطلون
جينز رخيص
وتى شرت مكتوب عليه باللغة
الانجليزية ...وتضع على وجهها كمية كبيرة
من المساحيق ...ركبت بجوار اشرف
المكلوم وحاولت – بناء على توصية
من كيكو – ان تسرى عنه !! توجه
الركب الى شقة كيكو بميامى ...فتح كيكو
الباب وبعد قليل انصرف ومعه هشام تاركين المكلوم فى رعاية الغانية
السمراء.
فى بار " الميناء " راح
هشام يحتسى الويسكى كاسا تلو الاخر على حساب
كيكو ومن حين لاخر يسأله : يا ترى اشرف عامل معاها
ايه دلوقت ؟ وكان
كيكو يكتفى بالابتسام وهز كتفيه
...واخيرا قال هشام :
-
ادينى خلصت المعهد الجربان بتاعى ...المفروض اعمل
ايه دلوقت ؟
حاشتغل ايه ؟ طول ما كنت
طالب كان ابويا بيصرف على , دلوقت حايقول
لى اتصرف
...فيه لسه اربعة غيرك !!
-
المفروض انه يصرف عليك لحد ما تلاقى شغل ..
-
حايفضل طول عمره فاكر لى اللى حصل فى الثانوية العامة
اول مرة ..
-
مصيره ينسى ..
فى هذه الاثناء كانت انهار منفردة
باشرف, يفرغ معها احباطه مرة تلو
الاخرى وهو منبهر, كيف توفرت له هذه الطاقة ؟ هل هو
الحشيش ؟ لم
يعرف ابدا ان الحشيش له هذا
التاثير ...هل هو الاحباط ؟ جعله يحاول ان
يبرز اى تفوق فى اى مجال ليخرج من هذا الشعور المقيت الشعور بالفشل
لم تصدق انهار نفسها , كانت تظنه
فتى مدلل , على اقصى تقدير سيؤدى
معها اداءا نمطيا وربما متعجلا هذا على فرض انه سيفلح اساسا
....الا انها
فوجئت به يقبل عليها بشهية مفتوحة ولا
يكاد ينتهى فيستريحا قليلا حتى
يطلبها مرة اخرى فتستجيب وليس
مثلما تفعل مع الزبائن, طمعا فى المزيد
من المال وانما طمعا فى المزيد من
اللذة !!
قررت بينها وبين نفسها الا تكتفى
بان يكون اشرف كمال زبون امرها كيكو
ان تهتم به وانما ان يكون لها حتى ولو بدون اجر !
0000000000000000000000000000000000000
انا عن نفسى فوجئت بنتيجة الثانوية
العامة ....لم اتخيل ابدا ان يحصل هشام
على 53%!! هشام ذكى وكان يفهم منى
الرياضة والفيزياء جيدا ...انا اصيع
منه مائة مرة ومع ذلك حصلت قبله
على 87% والتحقت بالهندسة ....ماذا
حدث له ؟ هل هو غروره الزائد ؟ نعم
لاحظت ذلك عليه , كان دائما يسخر
من زملائه ويطلق عليهم اسماء
يكرهونها و يصفهم بالغباء والنمطية اما
صديقه عادل فاكراما له فقط كان
يطلق عليه لقب الصمام لانه فى رايه يحفظ
فقط ولا يفهم ....بينى وبين نفسى
لم اكن اجد اى مبرر لهذا الغرور , صحيح
هو ذكى ولماح وموهوب , نعم كان
يرسم جيدا ويتذوق الفن التشكيلى
والموسيقى , خاصة الاجنبية ولكنى
لم اعرف عنه ابدا انه قد انجز شيئا خلال
هذه الفترة ...كان يرسم ولكن لا
يكمل اى لوحة ولايحتفظ بما يرسمه او
يجمعه فى كراسات كما يفعل البعض
ولم اعرف عنه انه قد حاول تعلم
العزف على اى الة موسيقية ولا حتى
انه انضم الى اى فرقة موسيقية غربية
كما جرت العادة ايام شبابنا ربما
مرة واحدة او مرتين اكتفى بان يكون
متواجدا مع فرقة كونها بعض زملائه
فى المدرسه , مجرد التواجد فى
حفلاتهم والتحدث بأسمهم !!
طبعا الصقوا التهمة بى : هشام كان
كويس وعمره ما سقط لكن كيكو هو
الذى افسده ! نعم كانوا يقولون هذا وايضا اننى
كنت افسده واذاكر انا فى
الخباثة !! بالذمة هل هذا كلام
يعقل ؟ نعم كنا نصيع سويا وعرفته على فتيات
و علمته الشرب ولكن كل هذا كان يحدث فى اطار صداقة متينة
بيننا وليس
تعمدا للافساد ...فلماذا افعل ذلك
؟ انا اتصور ان غروره الزائد صور له ان
الثانوية العامة لا تستلزم منه هذا
المجهود الذى يتحدثون عنه وانه يستطيع ان
يستوعب اكثر من زملائه ...والاهم
من ذلك ان سقف طموحه بالنسبة
للمجموع كان منخفضا ...فقد كان يقول
انه لا يريد اكثر من 80% ليلتحق
بالفنون الجميلة ...نعم كان هذا
امل حياته والحقيقة انه الوحيد فينا الذى نجح
فى امتحان القدرات ولكن للاسف بمجموع لا يؤهله لدخول الفنون
الجميلة
ولا اى كلية اخرى !!
000000000000000000000000000000000
المذكرات الوردية
" استمر الحديث بينى وبين
هشام امس فى غرفتى السرية حتى الفجر
فالموضوع يستحق ...لم يجد هشام اى
كلية محترمة تقبله بهذا المجموع
الحقير ....وعلى سبيل الاحتياط –
وبدون اى احتمال للتنفيذ – تقدم للالتحاق
بالكلية الحربية ! والان اتضحت
الحقيقة و اصبح عليه ان يقرر هل يلتحق
بالحربية ام لا ؟ كان رأىي انه
لابد ان يفعل فليس له بديل اخر الا معهد
سنتين !! وكان رأى والدى" ان هذا الولد
التلفان الفسدان لن يصلحه الا
الجيش الجيش يصلح المعوج ويعدل
المائل وسيخلق منه رجلا "...صارحته
بهذا فقال : الشىء الوحيد الذى
اتفق فيه والدى مع والدك هو ان التحق
بالحربية ولكن يا نجوى انا سأجن او
انتحر اذا حدث هذا انا مانفعش فى
الجيش , لا اقبل ان يعطينى احد
اوامر , ابويا نفسه فشل فى ذلك , انا مزاجى
مزاج فنانين لن ينفع معى ظبط وربط الكلية , انا عارف نفسى ... قلت :
وما
الحل الاخر هل تقبلها على نفسك يا
هشام ؟ معهد سنتين ؟ قال لا , اعيد
السنة , الحظ السنة دى خاننى ,
السنة الجاية يكون احسن ...قلت : حاجة مش
مضمونة ...العب على المضمون احسن ,
اعرف ما تعانيه ولكن يوجد شىء
اسمه الواقعية ...ايه يعنى اربع
سنين يعدوا هوا وتتخرج ظابط محترم ولا
عاد فيه حرب ولا يحزنون...واعمل
اللى انت عايزه بعد كدة ... قال :
ظابط ؟ عاجبك اوى ابويا اللى طلع
على المعاش عنده اربعين سنة و فضل
قاعد لنا فى البيت يدقق فى كل
صغيرة وكبيرة ويوم ما لقى شغل اشتغل مع
واحد صاحبه فقرى وطماع بيديه
ملاليم مقابل تعبه وعرقه عشر ساعات كل
يوم فى مصنع خشب ؟ قلت :دى ظروف
سياسية وعدت دلوقت الدنيا اختلفت
قال اه فعلا ظروف سياسية , حتى
الظروف السياسية معرفش يلعب عليها
صح كل اللى بيفهموا مشوا فى سكة وهو اختار السكة
الغلط !! غيره فهموا
اللعبة فاتغير مصيرهم قلت : طبعا تقصد ابويا ب" غيره "
ماشى ...لكن لكل
واحد خياراته واولوياته ومبادئه وانت لا تستطيع ان تلوم ابوك لأنه تصرف
بوحى من افكاره ومبادئه قال : لا هو اتصرف بوحى من جبنه !! قلت : ما
ينفعش تقول كدة ....نهاية الكلام
...صدقنى ده الخيار المقبول الوحيد و لازم
تقبله اونكل عمل المستحيل عشان يتغاضوا عن
المجموع ويقبلوك وشعر
انه عمل انجاز ضخم , انقذك من الضياع على حد
تعبيره !! يكفى يا اخى
انه اضطر انه يكلم بابا - وانت
تعرف ما بينهما – عشان خاطرك ..
انصرف هشام فى هذه الليلة من دون
ان ان يخبرنى عما ينوى ان يفعله وبدأ
منذ هذا اليوم خوفى من وعلى هشام ...هل
يعقد دائمة مقارنة بين والدى
ووالده ؟ "
000000000000000000000000000000000000000
عزيزى كيكو...
مش عارف طبعا اتصل بيك فى التليفون
...انت طبعا قاعد مهيص مع
نيرفانا وميرى والهام وانا هنا اعيش اتعس ايام حياتى ....لكن لازم ابلغك
انى نطيت من سور الكلية الحربية
!!! نعم هربت ومش حاكمل ...ماقدرتش
اتحمل هذه الحياة الكئيبة ...انا
لم اخلق لهذا ...ولو كملت الخمسة واربعين
يوم مش حاقدر اكمل الاربع سنين
...قلت لنفسى يحصل اللى يحصل
...نطيت وهربت وكان معايا مصروف
حوالى عشرين جنيه ...ركبت القطار
للمنيا ورحت عند عمى ...عمى بالرغم انه فلاح لكن
حايفهمنى , هو الوحيد
اللى ممكن يقنع ابويا ...لو كنت
رجعت على ابويا كان اكيد بطحنى واكيد انا
ماكنتش حاسكت وكنت حارد عليه ..قلت اقعد كام يوم فى المنيا وعمى
يحاول يقنعه انى ارجع البيت واعيد السنة واحسن مجموعى وادخل الفنون
بس مش عارف جايز يعملولى محاكمة
عسكرية او يسجنونى او يدخلونى
التجنيد ...مش مهم اللى يحصل يحصل
...انا اتخذت قرارى وعلى ان انتظر
رد الفعل ...مش عارف جايز يوصلك
جوابى بعد ما اكون رجعت مصر ..
هشام
00000000000000000000000000000000000000