المذكرات الوردية
" لم اعد اتحمل طلبات هشام
المادية شبه اليومية ...لم يكن يفعل ذلك أبدا فيما
مضى !! فقط عندما ترك العمل فى
المصنع وبعد ان اعتاد على دخل شهرى
معقول بدأ فى اقتراض المال منى ولا يسدد ابدا !! حتى طريقة اخذه للمال
لا تعجبنى فمن الممكن مثلا ان يقول
لى سلفينى خمسة جنيه حتى اول الشهر
او مثلا لو معاكى عشرة جنيه افك
بيها زنقتى وارجعهملك على طول ....هذا
طبيعى ولكن ان يطلب المال وكأنه حق مشروع له فهذا كثير ! اخر مرة
قال لى بلاش تركبى تاكسى للنادى
النهاردة اركبى المترو لان عندى حفلة
هايلة لازم احضرها !!
ولكن هل حدث هذا التغير فقط بعد ان
طرده والد كيكو ؟ لا اظن ...اعتقد ان
هذا قد بدأ تقريبا بعد ان بحت له
بسرى الاعظم !! سرى الذى لم ابح به لحد
على الاطلاق ...اطلعته على علاقتى
بطارق ...اخبرته بأنه متزوج وانه
يكبرنى بعشر سنوات...اخبرته بأننى
قد زرته فى شقته فى غياب زوجته
وشرحت له كيف دخلنا عالم القبلات
ثم كيف حاول هو ان يطور العلاقة ففك
ازرار قميصى !! ولم اخبره بما حدث
بعد ذلك لأه رجل شرقى ولن يقبل ان
يسمع اكثر من هذا من ابنة خاله
..... تخلف !! مع انه حكى لى بالتفصيل
تجربته الصبيانية مع نادية
الشغالة ويحكى لى من حين لأخر مغامراته مع
الفتيات والسيدات فى وكر كيكو
السرى ...يبيح لنفسه كل شىء ولكن لو
حدثته انا عن نفسى فسيدعى الفضيله
مثله مثل كل رجال الشرق !!
لست ادرى لماذا بدأ فعلا فى اقتراض
المال منى بعد هذا اليوم ؟ هل يبتزنى
مثلا ؟
00000000000000000000000000000000000000
قال هشام لكيكو بعد ان يأس تماما
من ان يعود للعمل فى المصنع :
-
ماذا سنفعل الان ؟
-
مش عارف سيبنى افكر ...لكن عموما لازم ابوك يفهم انه
ملزم بالانفاق عليك
لحد ما تلاقى شغل تانى ..
-
المشكلة انى لم اقدم السبت لألاقى الحد امامى !! لم
ادفع له مليما واحدا من
ماهيتى عندما كنت اعمل !!
-
صحيح ...كان لازم تتصرف بذكاء اكثر من هذا . عموما
انا لى نظرية
المليان لازم يكب على الفاضى !
-
مش فاهم ..
-
يعنى اللى عنده فلوس زيادة يعطى اللى ما عندوش خالص
! يا اخى دى حتى
موجودة عندكم فى الاسلام , نظام
الزكاة اثنين ونصف فى المائة على المال
المركون وفى المسيحية العشور ..
-
يعنى انا حاقبل الزكاة على نفسى يا كيكو ؟
-
أصلا ما حدش حا يديلك حاجة لكن اذا انت اقتنعت ان لك فعلا حق فى
حاجة حتاخذها بطريقة او بأخرى ...
-
احيانا لا افهمك ...
-
حافهمك ...ابن خالك معاه فلوس بالهبل ومش عارف
يبعزقها فين وانت
مفلس فهل من العدل ان يعيش وينبسط وانت بتاخذها مشى كل يوم عشان
تروح هنا ولا هنا ؟
بنت خالك كل يوم تصرف لها مش اقل من عشرين جنيه
فى كلام فارغ ...يكفى المجلات المصورة والموعد والكواكب
وانت ما معاكش
حتى ثمن ساندوتش تاكله برة البيت ....
-
جرى ايه يا كيكو ؟ فلوسهم وهم احرار فيها !!
-
غلط ...زائد كمان انهم ما تعبوش فيها !!
-
ابوهم يا اخى تعب فيها ...
-
هاهاها ضحكتنى يا اخى ... كل ما هنالك ان ابوهم مشى
مع الشلة اللى
كسبت
وابوك لا ....من امتى الثوار يحصلوا على مكافأة نظير ثوريتهم ؟
-
قصدك ايه ؟
-
قصدى ان المناصب اللى تولاها خالك لا تبرر ثرائه
الحالى ...خالك استغل
الوضع .....تذكر معى كل المناصب
التى تولاها من بداية الثورة وحتى
1971 كلها اماكن ممكن جدا الاستفادة
منها , يكفى يا اخى مثلا, مثلا شغله
فى موضوع القصور الملكية !!!
-
قصدك يعنى ...
-
طبعا يا حمار !! فهمت ليه دلوقت هو بيكرهك وبيكره
ابوك لأن ابوك بيفكره
بما فعله , ابوك رمز الفقر مع
النزاهة وهو الغنى الحرامى !!!
لم يرد هشام وانما راح ينفث دخان
سيجارته التى اشتراها فرط وعلى النوتة
من الكشك القريب من منزلهم !! افاق
من شروده وقال :
-
المهم ...ماذا سنفعل الان ؟
-
لم يعد هناك الا حل واحد , السفر للخارج ..عليك
ترتيب مبلغ لزوم التذكرة
والتأشيرة واقامة ...وانا
حاخطط لك للحصول على التاشيرة مع كام عنوان
للشغل...
-
فى اى بلد ؟
-
انجلترا ..
-
اشمعنى؟ ليه مش فرنسا ولا هولندا زى علاء ونبيل
السنة اللى فاتت ؟
-
انا لى سكة فى انجلترا , وعارف الورق اللى بيطلبوه
والاسئلة اللى بيسألوها
هذا غير انى سيمكننى ان
الحق بك بعد البكالوريوس !!
00000000000000000000000000000000000
المذكرات الوردية
"
لست ادرى مرة اخرى لماذا بحت لهشام بهذا السر بالرغم من التغير الواضح
فى شخصيته ؟ بحت له بعلاقتى
بطارق ولم يعلق ثم لاحظت التغير فلم ابوح
له
الان بهذا السر العائلى
الخطير ؟ قلت له استحلفك بالله الا تخبر اى احد بما سأخبرك
به الان انت تعرف انك صديقى
ولابد ان افضفض لك , اكتشفنا ان والدى متزوج
من سيدة لبنانية جميلة
واشترى لها شقة فى الزمالك ويذهب اليها ثلاثة ايام فى
الاسبوع متحججا بالسفر
لاتمام بعض الصفقات !!! صمت وجحظت عيناه ثم قال :
وهل علمت والدتك ؟ قلت لا
ويجب الا تعلم , هى حساسة للغاية وقلبها
ضعيف
ولن نامن العواقب اذا علمت
.. فوجئت به يقول لى : ربما يجعلك هذا تعيدى النظر
فى علاقتك بطارق , ما لا
ترضيه لامك لا ترضيه لسيدة اخرى ..اكيد هو على حق
ولكنى لم اتعود منه على
هذه الاجابات العميقة ! كان يطاوعنى دائما فى جنونى
وشطحاتى وكنت اشعر انه يعجبه هذا الجنون وهذه الشطحات ,
حاولت ان اغير
الموضوع فقلت :هل علمت ان
اكرم ثابت قد تقدم لخطبة نهى ؟ جحظت عيناه
مرة
اخرى ولم يعلق استمر صمته
طويلا ثم قال : وهل وافقت ؟ قلت: تميل
للموافقة
قال بحدة : عندما كنا اطفال
كنا نجمع على شىء واحد , هو ان اكرم ثابت غلس
و دمه تقيل ...وكانت نهى
تشاركنا هذا الرأى !! قلت : اراءنا فى الطفولة تتغير مع
الوقت... قال : لا ارى اى
سبب للموافقة غير انه غنى وقريبكم ... قلت : لم يضغط
عليها احد على العموم
....طلب منى خمسة جنيه وانصرف !!
000000000000000000000000000000000000000000
قابل هشام نهى صدفة وهو
متجه الى محطة اوتوبيس 500 فى طريقه الى العتبة , كانت توقف سيارة تاكسى ..
-
كيف حالك ؟ على فين ؟
-
نازل العتبة اشترى شوية اوراق ادارية سخيفة من
البوسطة الرئيسية ...
-
انا رايحة الكلية ...انزلك فى طريقى يبقى اسهل لك ؟
-
مفيش لزوم . الاوتوبيس على وصول ...
-
بلاش عبط ...اركب على الاقل يبقى معايا راجل !!
اوقفا سيارة تاكسى متهالكة وركبا هشام بجوار نهى فى الكنبة الخلفية , قال
هشام :
-
مبروك , سمعت انك اتخطبتى !؟
-
الله يبارك فيك ...لم يتم شىء بعد , جايز نعمل خطوبة
فى الصيف ...
-
متاكدة كم مشاعرك ولا فرحانة بالدبلة والفستان
والحفلة ؟
-
هو انا عيلة يا هشام ؟ حافرح بفستان ولا خاتم ؟
-
ما قصدش , انا فقط اتذكر انك لم تكونى ابدا ميالة
لاكرم ؟ !
-
والله يا هشام لما تقعد معاه و تعرفه بعد ما كبر
وكبرنا كلنا , حاتغير رأيك القديم ...
وهل يمكن لهشام ان يغير رأيه ابدا
فى اكرم ؟ اليس هو من كان دائما يسبه
بنفس السبة اذا حدث اى خلاف اثناء اللعب " يا ابن
الجبان " طبعا هو كان
يرد له الصاع صاعين بل كثيرا ماكان
يوسعه ضربا ولكنه كان دائما يتسائل
هل هو يقصد هذه الشتيمة
بالذات لخلفية فى رأسه سمعها من والده كاظم
ثابت او من زوج خالته كمال خلف
الله تتعلق بموقف والده فى لحظة تاريخية
معينة لم يتفق فيها مع الرجلين فى مواقفهما فاعتبرا هذا تخليا
عنهما فى
لحظة صعبة فنعتاه بهذه الصفة ؟ اليس اكرم ثابت هو من كان دائما يتعمد
عدم اختياره فى الفريق الذى يرأسه
فى كافة الالعاب والتى كانت نهى دائما
عضوا اساسيا فيه عقابا له على سخريته الدائمة
من عنجهيته وغطرسته ؟
طبعا لن يغير رأيه فيه ابدا ...الم
يكن يذكره دائما باختلاف لون بشرته عن
بقية الشلة ؟
تمنى هشام لو ان معه جنيها واحدا زيادة
يعطيه لسائق التاكسى ويتصرف
مثل اى رجل فى مثل هذا الموقف ... ولكن ما باليد
الحيلة فما معه يكفى
بالكاد لشراء اوراق استخراج جواز السفر ....
خرج من مكتب البريد ولازالت ترن فى
أذنه كلمات نهى عن الخطوبة
و عن اكرم ثابت وقال لنفسه : كنت
على استعداد لتقبل امر خطوبتها ...ولكن
لهذا الرذيل ؟ !
لاحت له أثناء السير الى
المحطة فكرة لم يفلح فى أن يطردها...اشترى
ظرف ابيض و طابع بريد داخلى , الصق
الطابع على الظرف و دسه بين
الاوراق ...ركب الاوتوبيس وكلما
اقترب من محطة وصوله كلما ازدادت
الفكرة لمعانا وجمالا فى مخيلته ...دخل
المنزل ...لم يسلم على احد , انفرد
بنفسه فى الغرفة واغلق بابها
بالمفتاح وبعد تدريب طويل على الكتابة
باليد
اليسرى كتب على المظروف :
يصل ويسلم ليد السيدة فادية
الالفى 36 شارع احمد منصور مصر الجديدة
وفى خلف الظرف كتب :
الراسل : سعاد ابراهيم ولم يكتب اى عنوان...ثم كتب على ورقة بيضاء
صغيرة رسالة قصيرة ...
عزيزتى مدام فادية ...
بعد التحية ...
انا انسانة يهمنى امرك جدا لأنك
احسنت الى فى يوم من الايام ولذلك فانا لا
استطيع ان اسكت وانا اعلم ان زوجك قد تزوج عليك ...انت لا
تستحقين
ذلك , يمكنك التأكد من كلامى
بمراقبته خصوصا فى الايام التى يدعى فيها
انه مسافر للعمل ....
المخلصة سعاد .
اغلق المظروف ووضعه فى جيب بنطلونه
الخلفى ...انطلق الى منزل كيكو
فقد كان على موعد معه , ركب السيارة بجواره وعندما اقتربا من ميدان
روكسى طلب هشام من كيكو التوقف , نزل والقى بالخطاب
فى صندوق
البريد الاحمر ....لم يسأله كيكو
عن الخطاب ولكن سأله :
-
هل بدأت فى اجراءات السفر ؟
-
نعم ...اليوم بدأت
ولكن على البحث عمن يقرضنى اى مبلغ
لزوم الباسبور
وخلافه , ابويا رفض
كالمعتاد وقال : يكفى اننى اصرف على اكلك وشربك !
بالكاد
اخذت فلوس من امى لزوم الاوراق ...ما
تقدرش انت تسلفنى ؟
-
انت عارف
انى مش ممكن اتأخر عنك ولكن انا برضه علاقتى زى الزفت
مع بابا اليومين دول بعد ما اكتشف انى كل يوم باشرب من زجاجته !!
ويسكى
معتبر !! اسمع , مفيش قدامك الا اشرف ..
-
لكن ده فى الاسكندرية ...
-
نطب عليه بكرة , أنا اجازة من الكلية ...
-
كان كيكو اشد تحمسا للسفر الى
الاسكندرية , اخذ مبلغا من والدته بطلوع
الروح وملأ السيارة بالبنزين ومر على هشام فى السادسة صباحا ...قبل
العاشرة كانا قد وصلا الى عروس الابيض المتوسط !
00000000000000000000000000000000000000
المذكرات الوردية
" مسكينة امى ...علمت اليوم
بالخبر المشئوم , كنت متاكدة انه من الصعب
ان يبقى هذا الامر سرا ...امى
معارفها كثير واكيد واحدة منهن اخبرتها او
حتى لمحت لها ....وقع الزلزال فى
منتصف النهار ...فوجئت بصوت امى
يجلجل فى ارجاء الفيللا ....ومن
حين لأخر يجىء صوت ابى واهنا خافتا
يغمغم بكلمات غير واضحة ....لم يكن
هناك مفر من ان تذهب احدانا لتهدئة
الامور ...تطوعت نهلة لكونها الكبرى ....صعدت
تستطلع الامر فوجدت
امى لا تردد الاكلمة واحدة :
الطلاق ! شعرت نهلة بقمة الاحراج وهى ترى
والدى – ذلك الرجل الذى عهدناه
دائما مرهوب الجانب يرتعد منه الجنود
والظباط فى الماضى وموظفيه فى الحاضر – منزويا فى ركن من الغرفة
وينطق من حين لأخر بكلمات مثل :
اصلها مش فاهمة حاجة ....خليها تسكت
شوية عشان افهمها , الموضوع كله
انى ....فيزداد جنون امى وتقول : مفيش
موضوع , الموضوع انتهى ..طلقنى
وروح عيش معاها !!
بالكاد افلحت نهلة فى ان تاخذ امى
الى غرفة مجاورة كنوع من الفصل بين
القوات !! ترى ماذا سيحدث بعد ذلك
؟ اخشى ان يتصدع بيتنا !!!
00000000000000000000000000000000000000