بمناسبة قرب ظهور نتيجة الثانوية العامة، اعتدنا نحن -المصريين- أن نتبنى تعريفات ومفاهيم ما أنزل الله بها من سلطان، ونتميز بها عن بقية خلق الله؛ منها مثلاً مفهوم "كليات القمة"، الذي لا أجد له نظيراً في العالم بصراحة!
يظن بعض المصريين أن قمة النجاح والفلاح هي أن يلتحق الابن أو الابنة بكلية الطب أو الصيدلة أو الهندسة أو طب الأسنان أو الاقتصاد والعلوم السياسية، وتكون المصيبة الكبرى إن فشل في ذلك، وكأن الله لم يخلق إلا الأطباء والمهندسين!
والحقيقة التي ندركها جميعاً هي أن معايير النجاح والوظيفة المرموقة تتغير بتغير الزمن، ولا شيء يبقى على حاله، كما أن هناك معايير أخرى حاسمة: وهي رغبات الإنسان، ومواكبه، واستعداده الفطري والنفسي.
عام 2015 كتبْتُ رواية "الفالح"، والتي استوحيتها من جزء من سيرة شخصية مرموقة؛ فبطلها شاب متفوق حصل على مجموع ضخم في الثانوية العامة وترتيب على مستوى المحافظة، لكنه اختار أن يلتحق بكلية الزراعة، وأن يحقق فيها تفوقاً ملحوظاً ويُعيَّن بها معيداً؛ إذ كانت لديه أحلام تتعلق بمستقبل الزراعة في مصر، مثل استصلاح أراضي سيناء وزراعتها. ولكن وفوجئ بثورة الجميع عليه: كيف لا يستغل مجموعه الكبير ويلتحق بالطب؟ كيف يرفس النعمة التي يتمنّاها الكثيرون؟ لكنه رفض الاحتجاجات، والتحق بالزراعة وحقق نجاحاً كبيراً... نجاحاً منقوصاً (اجتماعياً) بلا شك، وهذه هي عقدة الرواية!
وأنا أرى أن كلية الزراعة هي الكلية التي يجب أن يتهافت عليها الطلاب؛ فمصر كانت وما زالت وستظل بلداً زراعياً في المقام الأول، وعيبٌ على مصر -التي كانت مخزناً للغلال للإمبراطورية الرومانية والعالم كله- أن تستورد القمح حالياً.
كان لي زميل في كلية الطب نابغة في الرياضيات، وكان حلمه أن يلتحق بكلية العلوم ليصبح عالماً في الرياضيات أو الفلك، فاحتج والده بشدة واستخدم "الدراما الأبوية" المصرية الخالدة: "قلبي.. قلبي حيموتني يا ناس!"؛ فرضخ الزميل والتحق بالطب، لكنه لم يتخرج فيه قط، وضاع من تحت قدميه الطريق وتفرقت به السبل، وأخيراً عمل في مجال الكمبيوتر... وخسرنا عالماً في الفلك!
الأمثلة على ذلك كثيرة؛ فهناك من تمردوا فأفلحوا، وهناك من رضخوا فلم تكن نتائجهم جيدة. وحالياً، تمرد بعض أبناء أساتذة الطب ورفضوا أن يكملوا مسيرة الآباء، وقرروا ألا يعيشوا في جلباب أبائهم، فاختاروا مجالات أخرى ونبغوا فيها. وبالفعل، يشهد المجتمع تراجعاً في الإقبال على وظائف السلك الجامعي الطبي بعد أن كان حلم جيلنا؛ فقد أدرك الجميع أنه ليس كل من تخرج في الطب سيكون "مجدي يعقوب" أو "غنيم"، وأن الكثير من الأطباء -وللأسف الشديد- يُعتبرون من الفقراء!
المسألة يا ناس: استعداد شخصي، وميل، ورغبة، وشغف، وحسن اختيار.
كلية الصيدلة من الكليات شديدة الصعوبة وهدف للكثيرين، ولكن دعنا ننظر إلى الواقع: الأغلبية من الصيادلة يعملون كبائعي أدوية في الصيدليات أو مندوبي دعاية، فهل كان هذا حلمهم؟ والكثير من المهندسين تركوا العمل في المواقع وراحوا يعملون في المبيعات، فهل كان هذا حلمهم أم أنها متطلبات السوق والعرض والطلب؟
تخرج عادل إمام، وصلاح السعدني، ودلال عبد العزيز، وسمير غانم في كلية الزراعة، وتركوها وأصبحوا من هم اليوم... فماذا لو التحقوا من البداية بمعهد السينما أو الفنون المسرحية؟
أنا لن أحذو حذو البعض وأقول إن الشهادة الجامعية لا لزوم لها، وأن "لامين يامال" لم يلتحق بالجامعة مثلاً! فأنا أؤمن أن أي معلومة دراسية تدخل عقلك تولد آلاف الخلايا في وعيك؛ فلا بد من الدراسة. ومسألة أن "بيل جيتس" لم يتخرج في الجامعة، ولا "عمر الشريف" تخرج في معهد السينما، والأستاذ "محمد حسنين هيكل" حاصل على تجارة متوسطة... ليست مقياساً، بل هي طفرات لا تتكرر كثيراً؛ فلا يدعَنّ أحدٌ يخدعك ويقلل من أهمية دراستك، ولكن عليك أن تختار ما تدرسه وتكون لديك رؤية.
لي قريب لم يتمكن من الالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ليصبح سفيراً كما حلم والده، فالتحق بكلية الألسن واختار دراسة اللغة التشيكية وسط دهشة الجميع، فهي لغة ليست لها شعبية، لكن كانت لديه رؤية! تخرج في الكلية وتعين بمجرد التخرج في سفارة التشيك، ثم سفر إلى هناك وحصل على الجنسية... كانت لديه رؤية! الأستاذ أنيس منصور كان من أوائل الجمهورية في الثانوية العامة، وكان بإمكانه الالتحاق بأي كلية، ولكنه اختار كلية الآداب ونبغ فيها لأنه كانت لديه رؤية.
في الماضي كانت كلية الحقوق هي التي تخرج الوزراء والكبراء، واليوم أصبت من الكليات التي تقبل بمجموع عادي... هذا هو تغير الزمن. ولكن إذا التحقت بها وفي قلبك ميل إليها وتفوقت فيها، فمن الممكن أن تسلك سلك القضاء أو التدريس بالجامعة، وهذا حلم الكثيرين.
للمرة المليون: المسألة مسألة رؤية لنفسك، ولباقة وحسن اختيار، فدعك من سخافات القمة والقاع. وأنتم أيها الآباء، دعكم من الدراما الأبوية، واتركوا أولادكم في حالهم وليتحملوا هم مسؤولية اختياراتهم.
يهمني هنا أن أذكر مشهداً في منتهى اللطف من فيلم "قصر الشوق" المأخوذ عن ثلاثية العبقري نجيب محفوظ؛ فبعد حوار أبوي سلطوي بين السيد أحمد عبد الجواد وابنه "كمال"، يستهجن فيه رغبة ابنه في الالتحاق بمدرسة المعلمين العليا، وبعد انصراف "سي السيد"، تدخل "الست أمينة" في الحوار وتسأل ابنها عن سبب الخلاف، فيخبرها بأنه يريد أن يصبح معلماً ووالده يرفض، فتتساءل الست أمينة بسذاجتها المعروفة: "معلم؟! معلم قهوة يعني؟!"، فيصحح لها كمال ويذكر لها أن أحمد شوقي أمير الشعراء يقول: "كاد المعلم أن يكون رسولا"... فتنطق أمينة بكل عفويتها: "عليه الصلاة والسلام!".