*كم مرة قلت فيها "نعم" لشخص ما، بينما كان كل عِرق في جسدك وعقلك يصرخ "لا"؟ كم مرة تحاملتِ فيها على وقتك، وطاقتك، وصحتك لتتجنب فقط الشعور بالذنب أو نظرة العتاب في عيون الآخرين؟ عليك فهم امر هام ان المبالغة في إرضاء الجميع ليست طيبة، ولا مثالية مقنعة بل هي بداية الطريق نحو استنزاف نفسي وجسدي حاد، ندفعه يوماً بعد يوم من رصيد أرواحنا وسلامنا الداخلي.وخلف هذا العجز عن الرفض تقبع أسباب نفسية عميقة تتغذى على الخوف؛ الخوف من خسارة الآخرين، أو الخوف من التعرض للرفض والهجر، والرغبة الفطرية في الشعور بالقبول والتقدير من المحيطين بنا.
للأسف نشأ الكثير منا على برمجة إجتماعية تربط بشكل خاطئ بين التهذيب والموافقة الدائمة، مما جعل كلمة "لا" تبدو في أذهاننا كجريمة أو إساءة، بينما هي في الحقيقة اول درجات التعبير عن الرفض لما لا نرغب فيه هى مجرد أداة لحفظ التوازن. وعندما تتحول كلمة "نعم" إلى استجابة تلقائية لكل طلب، يجد المرء نفسه مثقلاً بالتزامات تفوق طاقته، ليتنازل تدريجياً عن السيطرة على حياته ووقتِهِ لصالح الآخرين.
هنا تحديداً تبرز أهمية ما يمكن أن نسميه "المنطقة صفر"، وهي تلك المساحة الآمنة والحدود النفسية الصارمة التي نرسمها حول سلامنا الداخلي لحمايته من أي انتهاك أو استنزاف. إن الحدود الشخصية ليست جدراناً عازلة نبنيها لننعزل عن العالم، بل هي بمثابة أبواب نملك نحن وحدنا مفاتيحها، نتحكم من خلالها فيمن يدخل إلى مساحتنا الخاصة ومتى. وحينما نتجاهل وضع هذه الحدود، ونستمر في الضغط على أنفسنا لدرجة الوعكة النفسية والإنهاك، فإن الجسد بذكائه الفطري يبدأ في قول "لا" نيابة عنا، فتظهر المعاناة على شكل آلام جسدية، صداع مزمن، أو قلق مستمر، أو إرهاق لا يزول بالنوم.
إن تدريب النفس على قول "لا" بذكاء ورقي هو مهارة تبدأ بخطوات بسيطة؛
أولها التوقف عن الرد الفوري، ومنح النفس مهلة للتفكير عبر عبارات راقية مثل "سأتحقق من جدول أعمالي وأرد عليك". كما يجب أن ندرك أن الرفض اللبق لا يحتاج إلى تبريرات مبالغ فيها أو اختلاق قصص درامية، فكلمة "أتمنى مساعدتك لكني لا أستطيع الالتزام بذلك الآن" ..هذاكافي جدا وتكفل احترام الطرفين. وفي البداية، قد يرافق هذا الرفض شعور مؤقت بالذنب، وهو شعور طبيعي جداً ناتج عن كسر توابيت العادات القديمة، لكنه سرعان ما يزول ليحل محله شعور عميق بالراحة واحترام الذات والاحساس بالحرية الشخصية فى اتخاذ قرار حتى ولو ضد هذه التوابيت الثابتة التى تربينا عليها
في النهاية، يجب أن نستوعب أن قولنا "لا" للآخرين في المواقف التي تفوق طاقتنا، هو في حقيقته قولنا "نعم" صريحة ومستحقة لسلامنا الداخلي، لصحتنا، ولأولئك الذين نحبهم حقاً ويستحقون أن نكون معهم بكامل طاقتنا وحضورنا. إن رسم الحدود النفسية وحمايتها والوقوف عند نقطة الأمان الخاصة بنا ليس نوعاً من الأنانية قط، بل هو أسمى درجات الرعاية الذاتية والمسؤولية تجاه أنفسنا وتجاه من نحب...
بقلم/د. مني فاروق إمام
استشارى الصحة النفسية والارشاد الاسرى