"من ضفاف زغرب إلى قلوب المصريين.. رحلة ساحرة عبر الضوء واللون والتاريخ."
بقلم / نهى محفوظ
حين يلتقي سحر التاريخ بعراقة الحضارات، تولد الأعمال الفنية التي لا تقتصر على محاكاة الطبيعة، بل تتجاوزها لتصبح نافذة روحية تنقل نبض الأوطان إلى وجدان العالم. وفي معرض "تفانين على ضفاف النهر الخالد"، تأخذنا الفنانة الكرواتية القديرة "ليليانا زوفاك" (Ljiljana Zovak) في رحلة بصرية مذهلة عبر مجموعتها المعنونة بـ "من خلال عيني وفرشاتي، جمال وطني".
تدمج ليليانا في تقنيتها الفنية بين أصالة الرسم بالألوان الزيتية على القماش—مستوحاة من دقة وعمق كبار الأستاذة مثل ليوناردو دافنشي—وبين سحر الطبيعة الكرواتية العذراء. ومن خلال طبقات الطلاء المتداخلة، تنجح ببراعة مذهلة في التقاط الضوء، الملمس، وروح الطبيعة المحيطة بها، لتقدم لنا أربعة أعمال تنبض بالحياة، سنقوم بالغوص في تحليق نقدي وتحليلي لكل لوحة منها:
1. إشراقة الدونة: لوحة "شروق الشمس في دوبروفنيك" (Izlazak sunca, Dubrovnik)
التقنية والمقاس: زيت على قماش (100 × 130 سم).
تستقبلنا ليليانا في هذا العمل بنفحة صباحية مقدسة، حيث يتجلى النور الإلهي وهو يشق حجب السحب والضباب فوق مياه دوبروفنيك المتلألئة. تتميز اللوحة بتدرجات لونية ساحرة تسيطر عليها الأطياف الذهبية والصفراء المتداخلة مع درجات الأزرق والأخضر البحري. توزيع الفرشاة يعكس حركة الأمواج وهي تداعب الصخور ببطء، وكأن الطبيعة تتنفس مع أول شعاع للنهار. الضوء هنا ليس مجرد عنصر مرئي، بل هو بطل مطلق يرمز إلى الانبعاث والأمل، مستلهمة روح النهضة في دقة توزيع الظلال والنور (Chiaroscuro).
2. دراما الأفق: لوحة "غروب الشمس في دوبروفنيك" (Dubrovnik, zalazak sunca)
التقنية والمقاس: زيت على قماش (130 × 170 سم).
على النقيض تماماً من سكون الشروق، تأخذنا هذه اللوحة إلى عالم ملحمي درامي ينبض بالقوة والعاطفة. السماء تشتعل بالنيران البرتقالية والحمراء والداكنة، وكأن الشمس تسكب حممها الجمالية وهي تودع الأفق فوق أسوار المدينة التاريخية العريقة وجرفها الصخري. الأمواج العاتية تتكسر بقوة على الصخور الداكنة، وتبرز كتلة الشجرة المشتعلة في أعلى اليسار بتكوينها التعبيري لتضيف بعداً درامياً عميقاً يمزج بين صلابة التاريخ الإنساني وجنون الطبيعة وعنفوانها.
3. عراقة الذاكرة: لوحة "أم الزيتون، إستريا" (Maslina, Majka, Istra)
التقنية والمقاس: زيت على قماش (100 × 80 سم).
تجسد هذه اللوحة روح الجذور والتاريخ العريق لشبه جزيرة إستريا الكرواتية. شجرة الزيتون المعمرة، التي تلقبها الفنانة بـ "الأم"، تبدو وكأنها كائن حي يحمل في تجاعيد جذعها أسرار قرون مضت. تتشابك الفروع والأوراق بلغة بصرية فريدة تتناغم مع خلفية تضيئها شمس خافتة تنسلل عبر الأوراق، بينما تفترش الأرض صخور وتدرجات لونية ترابية تمنح العمل إحساساً بالدفء والخلود والاستمرارية. إنها تحية بصرية للجذور التي لا تموت وللصمود الأزلي.
4. سيمفونية المياه: لوحة "شلالات بليتفيتش" (Slap Plitvice)
التقنية والمقاس: زيت على قماش (170 × 158 سم).
في هذا العمل الضخم، تقف الفنانة إجلالاً أمام عظمة المياه والتدفق الطبيعي النقي في محمية بليتفيتش الشهيرة. تتدفق المياه البيضاء الناصعة كأوتار قيثارة سماوية بين الصخور المغطاة بالطحالب الخضراء، بينما يتلألأ قرص الشمس الناعم في أعلى المشهد ليغمر الغابة بسكون ساحر. استخدمت ليليانا ضربات فرشاة رأسية ودقيقة لتجسد انسياب المياه وحركتها الديناميكية، مما يضع المشاهد في قلب الطبيعة وكأنه يسمع خرير المياه وهديرها العذب.
لمشاهدة الكتالوج الكامل اضغط هنا
خاتمة نقدية
إن أعمال الفنانة ليليانا زوفاك ليست مجرد مناظر طبيعية، بل هي مرآة لروح فنانة عشقت وطنها وأرادت أن تشرك العالم في رؤيتها الخاصة للجمال. من خلال مشاركتها في ملتقى "تفانين"، مدت جسراً حقيقياً من المحبة والثقافة بين كرواتيا ومصر، لتؤكد أن الفن هو اللغة العالمية الوحيدة القادرة على توحيد القلوب وإبهار العقول.