الأخبار العاجلة

عاجل
    عاجل

      Tuesday, March 17, 2026

      العيد في الإسلام ..... بقلم الأستاذ / محمد أبو النصر


      العيد في الإسلام.

      ▪️الحمد لله الذي جعل الأعياد في الإسلام مصدراً للبهجة والسرور، ومحطةً لشكر الرب الغفور.
      وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، الذي علمنا أن للدين فسحة، وللقلوب بهجة.
      أما بعد.
      ▪️تقبَّل منكم صالح الأعمال، واستجاب الله لكم الدعوات، ورفع بأعمالكم الدرجات.
      العيدُ في الإسلامِ واحةٌ إيمانيةٌ يرتوي منها الوجدانُ بعدَ الطاعة، وهو إعلانٌ ربانيٌّ بانتصارِ الرُّوحِ وتجلِّي مآثرِ الشكرِ في ثوبِ الفرح.
      ​إنه الموعدُ الذي تبتسمُ فيهِ القلوبُ قبلَ الوجوه،
      فطيَّب الله هذه الوجوه المشرقة، وزكَّى الله هذه الأنفس المؤمنة، وشرح الله هذه الصدور الموقنة بوعد الله وجنته.
      ان العيد جسر المودة ومحطة لتجديد عهد الإخاء .
      ⚫ أولاً: حقيقة العيد في الإسلام .
      - العيد في الإسلام ليس مجرد يوم للراحة أو اللهو، بل هو "انتقال من عبادة إلى عبادة".
      هو يوم الجائزة الذي يعقب مشقة الطاعة، ليعلن أن الفرح الحقيقي مرتبط بالصلة بالله.
      * عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: "مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟" قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ" <أخرجه أبو داود (1134)، والنسائي (1556) وأحمد (12006)>.
      ● العيد شكر على تمام النعمة .
      - إن العيد يأتي كخاتمة لفرائض كبرى؛ فعيد الفطر عقب الصيام، وعيد الأضحى عقب الحج.
      * قال تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
      وما عليك إلا أن تشكر ذا الجلال والإكرام، على الأمن والإيمان، والسلامة والإسلام (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ)[النحل: 53].
      أعظم الشكر وأوجبه أن تشكر الله -جل جلاله-، وتحمده -سبحانه- يوم أن هداك لهذا الدين وضلّ فئام عن الصراط المستقيم؛ (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ)[الأعراف: 43].
      تشكر الله يوم أن عافاك فشهدت العيد، وغيرك في المشافي يسمعون بالعيد ولا يرونه.
      تشكر ربك أن أرغد عيشك وآمنك في بلدك، بينما من حولك إما جوعٌ يحاصرهم، أو عدو يقصفهم؛ (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ)[مريم: 65].
      ⚫ ثانياً: المقاصد الاجتماعية والإنسانية ليوم العيد
      - العيد هو يوم "الجمع" و"الجبر". فيه تذوب الفوارق الطبقية، وتلتحم القلوب في نسيج واحد.
      ● ترسيخ مبدأ التكافل والجود
      - شرع الله زكاة الفطر في عيد الفطر، والأضحية في عيد الأضحى، لضمان ألا يبقى في المجتمع جائع أو محروم في هذا اليوم.
      * عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ" <أخرجه البخاري برقم (1503) ومسلم برقم (984)>.
      • إن الهدف من هذه العبادة المالية قبل صلاة العيد هو إشراك الفقراء في الفرحة، فلا يكون العيد عيداً لمن جاع جاره وهو شبعان.
      ⚫ ثالثاً: فقه العيد وآدابه الشرعية .
      للعيد هيئة تعبدية رسمتها الشريعة لتجمع بين وقار العبادة وبهجة العادة.
      ● رفع الصوت بالتكبير
      الصوت بالتكبير: قال الله -تعالى-: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ)[البقرة: 185]،
      ويقول ابن قدامة المقدسي: " يستحب للناس إظهار التكبير في ليلتي العيدين في مساجدهم ومنازلهم وطرقهم، مسافرين كانوا أو مقيمين، لظاهر الآية المذكورة.
      "قال ابن عباس: "حق على المسلمين إذا رأوا إهلال شوال أن يكبروا".
      وكان ابن عمر يكبر في قبته بمنى، يسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق، حتى ترتج منى تكبيرا... واختص الفطر بمزيد تأكيد؛ لورود النص فيه"(المغني، لابن قدامة).
      وقال الشافعي: "واجب إظهار التكبير في العيدين"(تفسير الخازن)،
      وعن الزهري قال: "كان الناس يكبرون في العيد حين يخرجون من منازلهم حتى يأتوا المصلى، وحتى يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام سكتوا، فإذا كبر كبروا"(مصنف ابن أبي شيبة).
      ● إظهار الزينة والتطيب
      - يُستحب للمسلم أن يظهر في أجمل صورة، تعبيراً عن إكرام يوم العيد.
      * قال تعالى: {يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31].
      العيد أن تُجمل منطقك مع جمال ملبسك، وأن يَظْهر شكرك مع إظهار زينتك، وأن تُطَيّب قلبك مع طيب رائحتك؛ "إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ"(أخرجه مسلم).
      جمال العيدِ أن تُجَمِّلَ وجه والديك بالبرِ والإحسان، ووجه زوجِك وولدِك بالبِشرِ والحنان.
      ● التهنئة: فعن أدهم -مولى عمر بن عبد العزيز- قال: "كنا نقول لعمر بن عبد العزيز في العيدين: تقبل الله منا ومنك يا أمير المؤمنين، فيرد علينا ولا ينكر ذلك علينا"(البيهقي في شعب الإيمان).
      ● الاغتسال قبل الذهاب إلى صلاة العيد:
      - عن نافع "أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى"(مالك في الموطأ).
      ● صلاة العيد وإبراز شعار الإسلام
      شرعت صلاة العيد في المصليات العامة (الخلاء) لتكون مظاهرة إيمانية كبرى.
      * عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: "أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ، وَدَعْوَتَهُمْ، وَتَعْتَزِلُ الحُيَّضُ مُصَلَّاهُنَّ" <أخرجه البخاري برقم (351) ومسلم برقم (890)>.
      وجمالُ هذا اليوم بالمحافظة على الصلاة الوسطى صلاةُ العصر، فَإِنَّه "مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ"(أخرجه البخاري).
      ووالله لا يتم الله إيمان عبدٍ حتى يتم صلاته؛ (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)[النساء: 103].
      - جمالُ العيدِ أن لا يُنسى فيه وِرْد القرآن، ولا ركعات في جُنْح الظلام، ولا يُتأخر عن تكبيرةِ الإحرام، كن كما كنت في رمضان، ثم أتبعه بصيام ستّ من شوال.
      جمال العيد يبدو حين ترى الأسرُ مجتمعٌ شملها بإيمانِها وصلاحها ووصلها؛ (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ)[الطور: 21].
      ● أكل تمرات وترًا قبل الخروج إلى المصلى في عيد الفطر، ومنها: مخالفة الطريق؛ بالذهاب إلى الصلاة من طريق والعودة من طريق آخر،
      ⚫ رابعاً: العيد ومسألة صلة الأرحام ونبذ الخصام
      -العيد فرصة ذهبية لترميم العلاقات المتصدعة، وهو الموسم الأكبر لتطبيق فقه التسامح.
      ● وجوب الصلة والتحذير من القطيعة
      * قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوٓا۟ أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰٓ أَبْصَـٰرَهُمْ (٢٣)} [محمد: 22-23].
      * عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا" <أخرجه مسلم برقم (2565)>.
      • لا يكتمل جمال الثوب الجديد بقلب قديم يحمل الضغينة؛ فالعيد "عيد القلوب" قبل أن يكون "عيد الدروب".
      ⚫ خامساً: ضبط الفرح بالضوابط الشرعية
      الإسلام لا يصادر الفرح، بل يهذبه ليكون راقياً ومسؤولاً.
      ● الترويح عن النفس في العيد
      * عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ: "دَعْهُمَا"، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا. وَفِي رِوَايَةٍ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا" < أخرجه البخاري برقم (949) ومسلم برقم (892)>.
      • في هذا الحديث إشارة واضحة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة مراعاة الطبيعة البشرية التي تحتاج إلى الفرح، وتأكيد على خصوصية الأمة الإسلامية في أفراحها.
      * الفرح بالمباح:
      - كما فرِحتم بصيامكم، فافرحوا بفِطركم؛ أدَّيتم فرضَكم، وأطعتُم ربَّكم، صُمتم وقرأتُم وتصدَّقتُم، فهنيئًا لكم ما قدَّمتم، وبُشراكم الفوزَ بإذنه -سبحانه-: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)[البقرة: 143].
      ان اليوم
      مختلف؛ لأن القلوب صفت وتصافت، والنفوس تصالحت، والأيادي تصافحت
      - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه"(متفق عليه).
      ولا يكون الفرح الحق إلا بالطاعة، يقول بعض أصحاب سفيان الثوري: خرجت معه يوم عيد فقال: "إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا غض البصر"، ورجع حسان بن أبي سنان من عيده فقالت امرأته: كم من امرأة حسناء قد رأيت؟ فقال: "ما نظرت إلا في إبهامي منذ خرجت إلى أن رجعت"!(التبصرة لابن الجوزي).
      ⚫ سادساً: التحذير من المخالفات في العيد
      يقع البعض في مغالطات تحوّل العيد من طاعة إلى معصية، ومن شكْر إلى جحود.
      ● الوقوع في المحرمات بدعوى الفرح
      * قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].
      • الفرح في العيد لا يبرر الاختلاط المحرم، أو السهر على المنكرات، أو تضييع الصلوات المكتوبة. فالعيد الذي يُفتتح بالتكبير، لا ينبغي أن يُختتم بالتعدي على حدود الكبير المتعال .
      ⚫ الخاتمة :
      إن يوم العيد هو صفحة بيضاء، فرصة لنعيد ترتيب أرواحنا، ونقوي أواصرنا. فالعيد لمن أطاع الله واتقاه، ولمن جعل من فرحته جسراً للجنة.
      🤲 نسأل الله أن يعيد علينا الأعياد بالإيمان والتمكين والأمان.

      محمد أبو النصر