حسّن خطّك فلربما .......
(( الفصل الأول ))
كنت فى طفولتى أتعجب من خط والدى وجماله وكان دائما ما يقول لى حين يرانى متمعنا فيما خطت يمينه
(( أن الخط عبارة عن فن هندسى ولابد ان نحترم الكتابة فالخطوط تكون مستقيمات والنقطة نقطة فى مكانها ولابد من الإهتمام بهندسة الخط فى أي وقت حين نكتب فيه مهما كنا على عجالة )) .......
وبدوري عملت بالنصيحة وأصبحت أقلده فى جميع كتاباته على الأوراق تارة وعلى السبورة السوداء بالطباشير الملون طورا أخري .
ومرت الأيام والشهور ودخلت الى المدرسة الإعدادية –مدرسة الميرى – كما كانت تسمى وقتها بمدينة دمنهور بالبحيرة بمجموع متفوق وخاصة بالدرجة شبه النهائية باللغة العربية .
ولفت جمال خطى اساتذتى وكان محط اهتمامهم ومن ثم بدأوا بتكليفى بكتابة التاريخ اليومى اعلى السبورة ثم تطورت الى كتابة العنوان ثم الى كتابة الأسئلة ثم الى كتابة جميع لافتات المدرسة واللوحات خارج الفصول والتى لم تقتصرعلى اللغة العربية فقط بل واللغة الإنجليزية أيضا ....
وكانت السعادة تغمرنى حين اتجول اثناء الفسحة بين اصدقائى بالمدرسة لأستمع منهم الى كلمات الإعجاب والمديح .....
ومرت الأيام والشهور والسنوات والتحقت بهندسة الإسكندرية ولازالت ذاكرتى عالقة بمشهد إحدى المعيدات بمادة الرسم الهندسى حين كانت تسألنى كلما رأت لوحاتى فى –السيكشن -- :
(( من أين ابتعت هذه الشابليونة ياباشمهندس ؟؟ ))
-- والمقصودة هنا المسطرة الخاصة بكتابة الحروف الإنجليزية -- وفى كل مرة اجيبها نفس الإجابة : انه خط يدى ياباشمهندسة ..!!
فتبتسم وتمضى على استحياء لتكرر نفس السؤال مرات ومرات وتتلقى نفس الإجابة فى كل مرة ..............!!!
إلى هنا والقصة عادية وليس فيها مايثيرولكن مايثير حقا هو ماحدث بعد ذلك فى مرات عديدة اولها حين سافرت مع خمس من اصدقائى الى باريس عاصمة النور وانا مازلت طالبا بالكلية ليكون لى قصصا رائعة بسبب الخط الجميل .....................
حسّن خطّك ....فلربما ....
(( الفصل الثانى ))
وفى طائرة (( إير فرانس )) المتجهة الى عاصمة النور –باريس – جلست بجواري على مقعد الطائرة سيدة فرنسية تناهز الأربعين من العمرأو تعدتها بقليل ولأننى كنت قد سبقتها بالجلوس فقد ابتسمت لى ابتسامة واسعة وهى تستأذننى بالذوق الفرنسى الرفيع فى الجلوس بمقعدها إلى جواري ....وابتسمت لها بدوري مومئا بالموافقة دون ان اجرؤ على النطق بفرنسيتى الضعيفة والتى لم أدرسها سوى ثلاث سنوات كلغة ثانية او ثانوية بعد اللغة الأولى الإنجليزية, وجلست السيدة بكل احترام ووقار .
بعد مايقرب من الساعة من انطلاق الطائرة التفتت الى بابتسامة تملأ وجهها وهى تسألنى عن الساعة .........
وللمرة الثانية حمدت الله فى سريرتى اننى اعلم اجابة السؤال باللغة الفرنسية وأجبتها مع ابتسامة أخري !!
وبعد ساعة أخري , إلتفتت إلى بنفس الإبتسامة وهى تسألنى عن سبب زيارتى لباريس .... وأخفيت عنها أننى ذاهب بغرض العمل أساسا بالعطلة الصيفية وثانيا للسياحة وحب السفر واكتفيت بالشطر الثانى من الحقيقة وفى نفس الوقت متعجبا من نفسى حين استطعت ان ارد عليها بنفس اللغة وبطريقة لابأس بها وشجعنى على ذلك ابتسامتها التى لم تفارق وجهها لحظة طيلة تجاذبها معى أطراف الحديث ............
وهنا تجرأت وسألتها بفرنسية ركيكة حاولت بقدر الإمكان ان تكون صحيحة :
سيدتى .....هل تتحدثين الإنجليزية ؟؟
أجابت فورا بإنجليزية ممتازة
نعم سيدى فأنا أستاذة لغات بجامعة السوربون
وهل يوجد كثير من الفرنسيين يتحدثون الإنجليزية أيضا ؟؟
نسبة قليلة سيدى لاتتعدى العشرة بالمائة لأن دراسة اللغة بالمدارس الثانوية ليست اجبارية مثل مصر ولكنها مادة اختيارية ...ولكن لم السؤال سيدى ؟؟
---- لأننى وأصدقائى نعتمد على الإنجليزية اولا فى التعامل مع الفرنسيين ولانعتمد على فرنسيتنا الركيكة نسبة الى الإنجليزية....
--- يؤسفنى سيدى أن أخبرك أن الفرنسيين يعتزون بشدة بلغتهم ولن يتعاملوا معكم بالإنجليزية ابدا حتى لو كانوا يتحدثونها بطلاقة .....!!!!
وهنا سمعت دقات قلبى تعلو فى صدري من شدة الخوف ومن الصدمة الأولى التى صفعتنى بها هذه السيدة الفرنسية دون أن تعلم ....!!
كنت أحاول أن أغمض عيناي فى الثلاث ساعات المتبقية من الرحلة بعد هذه الصدمة الغير محسوبة ....ولكن هيهات ان تغمض عيناك وقلبك يكاد ينخلع فى صدرك خوفا من المجهول !!!
وإلى اللقاء غدا إن شاء الله في الفصل الثالث
يوسف الخواجه