اَلتنهِيدةُ الثَّالثةُ: آذارُ السَّعيدُ
ليس لزاما أن يُنتظر الهلال ليحل العيد. قد يحل حين يأتي أحدهم فاتحا صدره كالسماء أو كالأفق، ذراعيه و باسطا بالود، كفيه و بالاهتمام كأنه فصل من فصول الربيع، لكن الانتظار يبعد المسافة و يؤخر اللقاء فتعتصر اللهفة بين غصة العد على الأصابع و خمول عقارب الساعات حد الصدإ فتتنكس التوقعات و تتفحم الأفنان.
سيحل الربيع بعد قليل و تسعد الحقول، لكن غيمة مشاكسة ما زالت تتلبد السماء فما زالت تحجب أشعة الشمس أحيانا و ما تخلّف من برَد، ما زال ينقر النوافذ و القرميد فيطول حتى القلوب في الصدور أحيانا أخرى، لكن بعضا من تلك الأشعة يستميت ليرشح الدفء و ينشر النور و العنفوان و مع أن الارتجاف مستمر، إلا أن له نكهة متميزة في آذار، تشبه شال صوف أو قطن من حبل غسيل يُنتزع برقة و حنو ليوضع فوق ما ترسب من جليد على الكتفين أو ضفاف القلب؛ قد يكون باردا في البدء، لكنه ما يفتأ يتدفأ مع مرور الوقت فيدفّئ ما أحاطه ثم يعود الأمان.
تطل البراعم الصغيرة مبتسمة من بين شقوق الأرض، كالبراءة على وجوه الولدان، يغطيها الندى فتينع مزيدا و مزيدا و تزخر بالحياة كمدن الألعاب الكثيرة الأضواء، لكن كل الصخب هو في شدو العصافير كأنه رياض أطفال و لكأنها تتبارى أيها أحسن صوتا أو أيها أسعد بالعودة إلى الأوطان.. لكل منها نشيد يزهو بترانيمه الجناحان فيرشحان الرفيف و السلوان. تخجل الغيوم في ظل ذلك الفرح العارم، فتنقشع تباعا لتفسح المجال لزرقة السماء و عذب النسائم و كلما مر يوم، تفتحت أقحوانة فزادت الجمال على الروابي و كلما زاد الجمال، استبشرت قصائد الشاعر و الأنغام و قد تعود الغيوم لتطل فترسل دمعها ملحمة فيلامس الروح و الوجدان.