اَلتنهِيدةُ الرَّابعةُ:
٤. بَين نيسَان و الجُنونِ:
كل الأشهر صالحة للحب بلا استثناء، لكن أ كل القلوب مثلها للحب، صالحة؟! في كل حال، ليست كل تربة صالحةً للزراعة أو كل طقس. لكن شقائق النعمان هي صالحة لتنبت كلما حل نيسان فلا نيسان من دون شقائق و لا شقائق من دون نيسان إلا أن تجف الأرض أو تبخل السماء بقطرها فتجْوفُّ الجذور و من بعدها السيقان أو لا تكون أصلاً و لكأنه لم يحلل في السنة، ربيع فلم يأت نيسان.
تتبعثر اللغة في كثير من المواطن و تجفل الحروف حين تفوق الأحاسيس الوصف، لكأن المرء وقتها، يودّ أن يؤتى له بقواميس جديدة من الكلمات لكي يستعملها فيبلغ ضالته المنشودة، لكن أنى أن يتحقق له ذلك فلا يجد مناصا من أن يستبدلها إمّا بابتسامات كأنها إشراقات النهار أو غيوم كدرة كأنها التجهم في السماء.
أن يكون المرء ربيع أحدهم، أن يكون سماءه الصافية، طيوره المغردة، دمع شوقه العذب، حَر وُجده التائق، ديوان قصائده المسترسل، رواياته الفريدة، فرحه العارم، صندوق بريده المفعم، لهفة انتظاراته، بهجة لقاءاته... عالما كاملا من الأحلام و الأمنيات، لكن إن حدث و غادره، لكأن الأعاصير مرت على عالمه ذاك فأتت على كل شيء فيه، حتى جعِل دكاء ثم بقيت الأنقاض و ما طُمر تحتها من ذكريات، كلما طفت، وخزت و آلمت و لا فرق إن كانت سعيدة أو على غير ذلك، لأنها تتوحد في قسوتها بعد الفراق، فتذبح و تدمي كأنها الخناجر في الصدور ثم تمحو كل ما أغدق به ذلك الربيع ذات مرة، لكن مع فرق بسيط قد يحدثه فراق قهري و آخر إرادي..
و قبل أن يأتي نيسان جديد ربما بحقل شقائق أخرى، يأوي القلب إلى خلوة بين الغياهب إن طالت، قد تقوده إلى اعتزال العالم و وأد المزيد من الأمنيات، غير تلك جفت فيه، قبل أن تتجذر فلا تؤولَ إلى ذات المصير أو ربما إلى الجنون و ليس من الغريب أبدا، أن تنتهي الأمور عند هذا الحد المؤلم، فكلما كبر ما في الصدر، كبر الفراغ بعده و أنى له أن يمتلئ بحقل مفعم بالشقائق كحقل من حقول نيسان.