، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَكَانَ أَيْسَرَ النَّاسِ مُؤُونَةً، وَأَعْظَمَهُمْ بَرَكَةً فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَصَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَصْحَابِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ .
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الزَّوَاجَ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَقْدٍ مَالِيٍّ أَوْ اسْتِعْرَاضٍ لِلثَّرَاءِ، بَلْ هُوَ مِيثَاقٌ غَلِيظٌ الْغَرَضُ مِنْهُ الْعِفَّةُ وَالِاسْتِقْرَارُ. وَلَكِنَّنَا الْيَوْمَ نَرَى وَاقِعاً مَرِيراً، حَيْثُ تَحَوَّلَ هَذَا الْمِيثَاقُ إِلَى عِبْءٍ يَنُوءُ تَحْتَ ثِقْلِهِ الشَّبَابُ، بِسَبَبِ عَادَاتٍ وَتَقَالِيدَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ.
إِنَّ مَا نَرَاهُ الْيَوْمَ مِنْ بَذَخٍ فِي صَالَاتِ الْأَفْرَاحِ، وَإِسْرَافٍ فِي الْمَوَائِدِ، وَمُغَالَاةٍ فِي الْمُهُورِ، هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّبْذِيرِ الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّياطِينِ}.
- وَحَدِيثُنَا عَنْ هَذَا الْمَوْضُوعِ يَأْتِي تَحْتَ الْعَنَاصِرِ التَّالِيَةِ:
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ، لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ وَجَعَلَ بَيْنَهُمْ آيَةً عَظِيمَةً هِيَ الزَّوَاجُ، فَهُوَ سَكَنٌ لِلنُّفُوسِ وَاسْتِقْرَارٌ لِلْقُلُوبِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الرُّومِ: 21]. وَقَدْ رَغَّبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الزَّوَاجِ وَحَثَّ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ الْمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ خَيْرَ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ فِي دُنْيَاهُ، فَقَالَ: ((الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ))
<رَوَاهُ مُسْلِمٌ>.
وَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ دِينَ يُسْرٍ لَا عُسْرٍ، فَقَدْ أَرْسَى قَوَاعِدَ التَّيْسِيرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا سِيَّمَا فِي الزَّوَاجِ. فَلَيْسَ سَدَادُ الدُّيُونِ وَكَثْرَةُ النَّفَقَاتِ دَلِيلاً عَلَى قُوَّةِ الرَّابِطَةِ، بَلْ إِنَّ الْبَرَكَةَ الْحَقِيقِيَّةَ مَقْرُونَةٌ بِالْيُسْرِ. وَاسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَضَعُ الْمِيزَانَ الْقِسْطَ: «إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً» <رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ>، وَقَالَ أَيْضًا: «خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ» <رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ>. إِنَّهُ تَوْجِيهٌ رَبَّانِيٌّ يَرْبِطُ الْخَيْرِيَّةَ وَالْبَرَكَةَ بِتَخْفِيفِ الْأَعْبَاءِ، لَا بِالْمُبَاهَاةِ وَكَثْرَةِ الْإِنْفَاقِ.
وَلَمْ تَقْتَصِرْ هَذِهِ الْبَرَكَةُ عَلَى الرِّجَالِ فَحَسْبُ، بَلْ شَمَلَتِ النِّسَاءَ، فَانْظُرُوا إِلَى هَذَا الْوِسَامِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ لِلْمَرْأَةِ الْقَانِعَةِ الْمُيَسِّرَةِ؛ فَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً» <رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ>. قَالَ الْإِمَامُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ: "أَرَادَ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَنَعَتْ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْحَلَالِ... فَخَفَّتْ عَنْهُ كُلْفَتُهَا... فَتَعْظُمُ الْبَرَكَةُ لِذَلِكَ".
وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّيْسِيرُ فِي الْخِطْبَةِ وَالصَّدَاقِ مِنْ دَلَائِلِ يُمْنِ الْمَرْأَةِ وَسَعَادَتِهَا، وَقَرَنَ بَيْنَ التَّيْسِيرِ وَحُلُولِ الْبَرَكَةِ؛ فَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ يُُمْنِ الْمَرْأَةِ أَنْ يُتَيَسَّرَ فِي خِطْبَتِهَا، وَأَنْ يَتَيَسَّرَ صَدَاقُهَا، وَأَنْ يَتَيَسَّرَ رَحِمُهَا، قَالَ عُرْوَةُ: يَعْنِي يَتَيَسَّرُ رَحِمُهَا لِلْوِلَادَةِ، قَالَ عُرْوَةُ: وَأَنَا أَقُولُ مِنْ عِنْدِي: مِنْ أَوَّلِ شُؤْمِهَا أَنْ يَكْثُرَ صَدَاقُهَا» <رَوَاهُ الْحَاكِمُ> تَأَمَّلُوا هَذَا الْفِقْهَ الدَّقِيقَ، حَيْثُ يَجْعَلُ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ كَثْرَةَ الصَّدَاقِ أَوَّلَ الشُّؤْمِ وَأَسَاسَ الْبَلَاءِ. فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ مِنْ بَيَانٍ؟
أَيُّهَا الْكِرَامُ، إِنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي نَفَقَاتِ الزَّوَاجِ وَحَفَلَاتِهِ لَيْسَتْ مِنْ هَدْيِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هِيَ مِنَ الْإِسْرَافِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَالتَّبْذِيرِ الْمَذْمُومِ. لَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالْقَصْدِ وَالِاعْتِدَالِ فِي النَّفَقَةِ كُلِّهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ نَاهِيًا عَنِ الْإِسْرَافِ: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الْأَنْعَامُ: ١٤١]. وَكَفَى بِهَذَا وَعِيدًا أَنْ يُخْبِرَكَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُحِبُّكَ. وَقَالَ فِي وَصْفِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ الْمُتَّقِينَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الْفُرْقَانُ: ٦٧]. فَهَذَا هُوَ الْمِيزَانُ الرَّبَّانِيُّ: وَسَطٌ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ.
وَلَقَدِ اشْتَدَّ نَهْيُ الْقُرْآنِ فِي ذَمِّ التَّبْذِيرِ، وَهُوَ صَرْفُ الْمَالِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ لِلْمُبَاهَاةِ وَالْمُفَاخَرَةِ، حَتَّى جَعَلَ الْمُبَذِّرِينَ أَقْرَانَ الشَّيَاطِينِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءُ: ٢٦-٢٧]. فَهَلْ تَرْضَى أَيَّتُهَا الْأُسْرَةُ الْمُسْلِمَةُ أَنْ تَكُونَ تَصَرُّفَاتُهَا فِي الْعُرْسِ سَبَبًا لِتَشَبُّهِهَا بِالشَّيْطَانِ وَأَعْوَانِهِ؟ حَاشَا لِلَّهِ.
وَيُؤَكِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ الَّذِي يُبَيِّنُ أَنَّ مَا زَادَ عَنِ الْحَاجَةِ فَهُوَ مِنْ حَظِّ الشَّيْطَانِ لَا مِنَ الْبَرَكَةِ؛ فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ، وَفِرَاشٌ لِامْرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ، وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ» <رَوَاهُ مُسْلِمٌ>. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ شَارِحًا: "مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ فَاتِّخَاذُهُ لِلْمُبَاهَاةِ وَالِاخْتِيَالِ... وَكُلُّ مَذْمُومٍ يُضَافُ إِلَى الشَّيْطَانِ". وَقِيَاسًا عَلَى هَذَا، فَإِنَّ كُلَّ مَتَاعٍ زَائِدٍ فِي تَجْهِيزَاتِ الْعُرْسِ وَكَمَالِيَّاتِهِ، إِنَّمَا هُوَ تَلْبِيَةٌ لِدَاعِي الشَّيْطَانِ لَا لِدَاعِي الْعَفَافِ. فَلْيَحْذَرِ الْمُسْلِمُ أَنْ يَجْعَلَ زَوَاجَهُ سَاحَةً لِحَظِّ الشَّيْطَانِ.
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ التَّيْسِيرِ أَنْ نُعِيدَ الْأُمُورَ إِلَى نِصَابِهَا، وَأَنْ نَزِنَ الْأُمُورَ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ لَا بِمِيزَانِ الْعَادَاتِ الْفَاسِدَةِ. لَقَدْ جَعَلَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى الصَّلَاحَ وَالتَّقْوَى هُمَا مِعْيَارَ الْقَبُولِ، لَا الْمَالَ وَلَا الْمَظْهَرَ. قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النُّورُ: ٣٢]. وَفِي هَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِأَنْ يُعِينَ الْمُتَزَوِّجِينَ وَيَفْتَحَ لَهُمْ أَبْوَابَ رِزْقِهِ، فَلَا تَخْشَوْا فَقْرًا، فَخَزَائِنُ اللَّهِ مَلْأَى.
وَلَقَدْ وَجَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلِيَاءَ الْأُمُورِ تَوْجِيهًا حَاسِمًا جَعَلَ فِيهِ الدِّينَ وَالْخُلُقَ هُمَا الْأَسَاسَ، وَهَدَّدَ بِفَسَادِ الْمُجْتَمَعِ إِنْ أَعْرَضُوا عَنْ هَذَا الْمِيزَانِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ، قَالَ: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ <النَّفَقَةُ عَلَى الْعِيَالِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا>. إِنَّهُ تَحْذِيرٌ مِنْ فَسَادِ الْأَخْلَاقِ وَانْهِيَارِ الْأَنْسَابِ بِسَبَبِ رَفْضِ الصَّالِحِ لِفَقْرِهِ. فَعَلَامَ وَلِمَاذَا نُغَالِي وَنُعَسِّرُ وَنَتَعَلَّقُ بِقُشُورٍ زَائِلَةٍ؟
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ، إِنَّنَا نَعِيشُ أَزْمَةً حَقِيقِيَّةً مَرَدُّهَا إِلَى جُمْلَةٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ نَعِيَهَا لِنَتَجَنَّبَهَا:
● ضَغْطُ الْعَادَاتِ الْبَالِيَةِ: حَيْثُ تَحَوَّلَتِ الْأَفْرَاحُ إِلَى سَاحَاتٍ لِلتَّفَاخُرِ وَالْمُبَاهَاةِ، وَأَصْبَحَ السُّؤَالُ: مَاذَا سَيَقُولُ النَّاسُ؟ بَدَلًا مِنْ: كَيْفَ نُبَارِكُ وَنُيَسِّرُ؟
● الْمُقَارَنَاتُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ الْمُدَمِّرَةُ: الَّتِي تُغَذِّيهَا وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ، فَيَنْظُرُ كُلٌّ إِلَى مَا عِنْدَ الْآخَرِ، وَيُرِيدُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ فَوْقَ طَاقَتِهِ.
● رَبْطُ السَّعَادَةِ بِالْمَادِّيَّاتِ: حَيْثُ يَظُنُّ الْمُقْبِلُونَ عَلَى الزَّوَاجِ أَنَّ الْبَهْجَةَ فِي كَفْرَةِ الْإِنْفَاقِ، وَأَنَّ السَّعَادَةَ تُشْتَرَى بِالذَّهَبِ وَالْأَثَاثِ، وَيَنْسَوْنَ أَنَّ السَّكَنَ الْحَقِيقِيَّ فِي الْقُلُوبِ الْوَدُودِ.
●الْمُغَالَاةُ فِي الْمُهُورِ: الَّتِي تُحَوِّلُ الْمَهْرَ مِنْ وَسِيلَةِ تَكْرِيمٍ إِلَى عَقَبَةٍ كَؤُودٍ، تَدْفَعُ الشَّبَابَ إِلَى الْعُزُوفِ أَوْ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الدُّيُونِ الرِّبَوِيَّةِ. أَوْ فِعْلِ الْمُحَرَّمِ.
- إِنَّ لِهَذِهِ الْمُبَالَغَةِ آثَارًا مُدَمِّرَةً تُهَدِّدُ كِيَانَ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ، وَمِنْ أَبْرَزِهَا:
● تَعْطِيلُ سُنَّةِ الزَّوَاجِ وَانْتِشَارُ الْعُنُوسَةِ: فَإِذَا أُغْلِقَتْ أَبْوَابُ الْحَلَالِ بِسَبَبِ التَّكَالِيفِ الْبَاهِظَةِ، عَزَفَ الشَّبَابُ عَنِ الزَّوَاجِ، أَوْ تَأَخَّرَ كَثِيرًا، فَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيَسْتَشْرِي الْفَسَادُ، وَقَدْ تَوَعَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ».
● اسْتِنْزَافُ الْمَوَارِدِ وَالْوُقُوعُ فِي الدُّيُونِ: حَيْثُ تَبْدَأُ الْحَيَاةُ الزَّوَاجِيَّةُ بِجِبَالٍ مِنَ الْقُرُوضِ وَالْهُمُومِ، فَتَنْقَلِبُ السَّعَادَةُ شَقَاءً، وَيَمْحَقُ اللَّهُ الْبَرَكَةَ مِنْ هَذَا الْبِنَاءِ.
● فَتْحُ أَبْوَابِ الْحَرَامِ: فَإِذَا تَعَسَّرَ الْحَلَالُ، بَغَتِ الْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ عَنْ طَرِيقِهَا، وَانْتَشَرَتِ الْعَلَاقَاتُ الْمُحَرَّمَةُ وَالْفَوَاحِشُ، وَهَذَا عَيْنُ الْفَسَادِ الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
● ظُلْمُ الْبَنَاتِ بِالْعَضْلِ: فَبَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ يَمْنَعُونَ تَزْوِيجَ مُوَلِّيَاتِهِمْ طَمَعًا فِي مُهُورٍ عَالِيَةٍ أَوْ اسْتِمْرَارًا فِي أَخْذِ رَوَاتِبِهِنَّ، وَهَذَا مُنْكَرٌ عَظِيمٌ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الْبَقَرَةُ: ٢٣٢].
● أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، لِنَنْظُرْ إِلَى هَدْيِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ وَصَحَابَتِهِ الْكِرَامِ، كَيْفَ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ مَعَ الْمُهُورِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ نِبْرَاسًا لَنَا، لِنَعْلَمَ أَنَّ الْكَرَامَةَ فِي الدِّينِ لَا فِي الدَّرَاهِمِ.
● زَوَاجُ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْجَنَّةِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: لَمْ يَكُنْ مَهْرُهَا قُصُورًا وَلَا أَمْوَالًا، بَلْ كَانَ دِرْعًا حَرْبِيًّا! عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ زَوَّجَ عَلِيًّا فَاطِمَةَ قَالَ: «يَا عَلِيُّ، لَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى تُقَدِّمَ لَهُمْ شَيْئًا» فَقَالَ: مَا لِي شَيْءٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَعْطِهَا دِرْعَكَ الْحُطَمِيَّةَ» قَالَ ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ: قَالَ أَبِي: «فَقُوَّمْتُ الدِّرْعَ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا» <رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ>.
● تَزْوِيجُ امْرَأَةٍ بِمَا مَعَهُ مِنْ قُرْآنٍ: فِي أَرْوَعِ صُوَرِ التَّيْسِيرِ، يَأْتِي رَجُلٌ فَقِيرٌ لَا يَمْلِكُ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَيُزَوِّجُهُ النَّبِيُّ امْرَأَةً وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَجْعَلُ مَهْرَهَا مَا يَحْفَظُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ، فَقَامَتْ طَوِيلًا فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَزَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا»، فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِزَارَكَ إِنْ أَعْطَيْتَهَا جَلَسْتَ وَلَا إِزَارَ لَكَ فَالْتَمِسْ شَيْئًا» قَالَ: مَا أَجِدُ، قَالَ: «فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، قَالَ: فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ»، قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» <رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ>.
· تَأْخِيرُ الصَّدَاقِ إِلَى مَيْسَرَةٍ:
* هذا الحديث فِيه دَلِيل عَلَى سَمَاحَةِ هَذَا الدِّينِ، حيث يُجِيزُ النَّبِيُّ تَأْخِيرَ الْمَهْرِ لِوَقْتِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ: أَتَرْضَى أَنْ أُزَوِّجَكَ فُلَانَةً؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: أَتَرْضَيْنَ أَنْ أُزَوِّجَكِ فُلَانًا؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَزَوَّجَ أَحَدَهُمَا صَاحِبَهُ فَدَخَلَ بِهَا الرَّجُلُ وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَعْطَيْتُهَا مِنْ صَدَاقِهَا سَهْمِي بِخَيْبَرَ فَبَاعَتْهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ <رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ>.
● أَرْوَعُ مَهْرٍ فِي التَّارِيخِ: الْإِسْلَامُ: هَاهُوَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَقَدَّمُ لِخِطْبَةِ أُمِّ سُلَيْمٍ الْمُسْلِمَةِ، فَتَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَهْرُهَا إِسْلَامَهُ، فَكَانَ لَهَا ذَلِكَ. عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا مِثْلُكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ كَافِرٌ، وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي وَمَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا» <رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ>.
● إِنْكَارُ النَّبِيِّ لِلْمُغَالَاةِ فِي الْمَهْرِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا» قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا، قَالَ «عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟»، قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ» <رَوَاهُ مُسْلِمٌ>. إِنَّهُ اسْتِنْكَارٌ نَبَوِيٌّ وَاضِحٌ لِلْمُغَالَاةِ حَتَّى فِي الْأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَكَيْفَ لَوْ رَأَى وَاقِعَنَا الْيَوْمَ؟!
● فِقْهُ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: الَّذِي يَضْرِبُ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي تَقْدِيرِ الرِّجَالِ بِدِينِهِمْ لَا بِمَالِهِمْ، حِينَ زَوَّجَ ابْنَتَهُ الْجَمِيلَةَ الْعَالِمَةَ بِدِرْهَمَيْنِ، وَرَفَضَ تَزْوِيِجَهَا لِلْخَلِيفَةِ. اسْمَعُوا إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي تَفِيضُ بِالْعِبَرِ: عَنْ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُجَالِسُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَفَقَدَنِي أَيَّامًا فَلَمَّا جِئْتُهُ قَالَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ قُلْتُ: تُوُفِّيَتْ أَهْلِي فَاشْتَغَلْتُ بِهَا، فَقَالَ: أَلَا أَخْبَرْتَنَا فَشَهِدْنَاهَا؟ قَالَ: ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَقُومَ فَقَالَ: هَلِ اسْتَحْدَثْتَ امْرَأَةً؟ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَمَنْ يُزَوِّجُنِي، وَمَا أَمْلِكُ إِلَّا دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً؟ فَقَالَ: أَنَا، فَقُلْتُ: وَتَفْعَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ تَحَمَّدَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَوَّجَنِي عَلَى دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، قَالَ: فَقُمْتُ، وَمَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ مِنَ الْفَرَحِ، فَصِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَجَعَلْتُ أَتَفَكَّرُ مِمَّنْ آخُذُ وَمِمَّنْ أَسْتَدِينُ، فَصَلَّيْتُ الْمَغْرِبَ وَانْصَرَفْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَكُنْتُ وَحْدِي صَائِمًا، فَقَدَّمْتُ عَشَائِي أُفْطِرُ، وَكَانَ خُبْزًا وَزَيْتًا، فَإِذَا بَابِي يُقْرَعُ، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: سَعِيدٌ، فَفَكَّرْتُ فِي كُلِّ إِنْسَانٍ اسْمُهُ سَعِيدٌ إِلَّا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً إِلَّا بَيْنَ بَيْتِهِ وَالْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ فَخَرَجْتُ فَإِذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَهُ فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَلَا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُكَ، قَالَ: لَا، أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تُؤْتَى، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: إِنَّكَ كُنْتُ رَجُلًا عَزَبًا فَتَزَوَّجْتَ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَكَ اللَّيْلَةَ وَحْدَكَ، وَهَذِهِ امْرَأَتُكَ فَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ مِنْ خَلْفِهِ فِي طُولِهِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهَا فَدَفَعَهَا فِي الْبَيْتِ وَرَدَّ الْبَابَ، فَسَقَطَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْحَيَاءِ فَاسْتَوْثَقْتُ مِنَ الْبَيْتِ ثُمَّ تَقَدَّمْتُهَا إِلَى الْقَصْعَةِ الَّتِي فِيهَا الْخُبْزُ وَالزَّيْتُ فَوَضَعْتُهَا فِي ظِلِّ السِّرَاجِ لِكَيْلَا تَرَاهُ ثُمَّ صَعَدْتُ إِلَى السَّطْحِ فَرَمَيْتُ الْجِيرَانَ فَجَاءُونِي فَقَالُوا: مَا شَأْنُكَ؟ قُلْتُ: زَوَّجَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بِنْتَهُ الْيَوْمَ وَقَدْ جَاءَ بِهَا عَلَى غَفْلَةٍ، فَقَالُوا: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ زَوَّجَكَ قُلْتُ: نَعَمْ، وَهَا هِيَ فِي الدَّارِ، قَالَ: فَنَزَلُوا إِلَيْهَا وَبَلَغَ أُمِّي فَجَاءتْ، فَقَالَتْ: وَجْهِي فِي وَجْهِكَ حَرَامٌ إِنْ أَمْسَسْتَهَا قَبْلَ أَنْ أُصْلِحَهَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، قَالَ: فَأَقَمْتُ ثَلَاثًا ثُمَّ دَخَلْتُ فَإِذَا هِيَ أَجْمَلُ النِّسَاءِ وَأَحْفَظُ النَّاسِ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَعْلَمُهُمْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَعْرَفُهُمْ بِحَقِّ الزَّوْجِ.. <سِيَرُ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ لِلْأَصْبَهَانِيِّ، الْحِلْيَةُ لِأَبِي نُعَيْمٍ>
قَالَ: فَمَكَثْتُ شَهْرًا لَا يَأْتِينِي وَلَا آتِيهِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بَعْدَ شَهْرٍ وَهُوَ فِي حَلْقَتِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ وَلَمْ يُكَلِّمْنِي حَتَّى انْفَضَّ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ غَيْرِي، قَالَ: مَا حَالُ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ؟ قُلْتُ: هُوَ عَلَى مَا يُحِبُّ الصَّدِيقُ وَيَكْرَهُ الْعَدُوُّ، قَالَ: إِنْ رَابَكَ شَيْءٌ فَالْعَصَا، فَانْصَرَفْتُ إِلَى مَنْزِلِي. وَكَانَتْ بِنْتُ سَعِيدٍ خَطَبَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ لِابْنِهِ الْوَلِيدِ حِينَ وَلَّاهُ الْعَهْدَ، فَأَبَى سَعِيدٌ أَنْ يُزَوِّجَهُ، فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الْمَلِكِ يَحْتَالُ عَلَى سَعِيدٍ حَتَّى ضَرَبَهُ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ وَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ”. <وَفَيَاتُ الْأَعْيَانِ لِابْنِ خَلِّكَانَ>.
● أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ وَاقِعَنَا الْيَوْمَ يَشْهَدُ مَظَاهِرَ مِنَ الْإِسْرَافِ تَكَادُ تُخَالِفُ كُلَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَدْيِ النُّبُوَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ:
● جَلَسَاتُ التَّصْوِيرِ الْبَاهِظَةُ (الْفُوتُوسِيشِن): الَّتِي تُكَلِّفُ آلَافًا، وَتَنْشُرُ خُصُوصِيَّاتِ الْبُيُوتِ عَلَى الْمَلَأ.
● إِقَامَةُ الْأَفْرَاحِ فِي الْفَنَادِقِ وَالْقَاعَاتِ الْفَخْمَةِ: مَيْدَانًا لِلْمُبَاهَاةِ وَالسَّرَفِ.
● الْإِسْرَافُ فِي وَلَائِمِ الْعُرْسِ: حَتَّى بَاتَتْ أَكْوَامُ الطَّعَامِ تُلْقَى فِي النِّفَايَاتِ، وَهَذَا مِنْ كُفْرَانِ النِّعَمِ.
● الْمُغَالَاةُ فِي الْحُلِيِّ وَالْمَنْقُولَاتِ وَالْهَدَايَا: الَّتِي لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الزَّوْجَانِ، بِدَافِعِ التَّقْلِيدِ الْأَعْمَى.
وَكُلُّ هَذَا يُؤَدِّي إِلَى الدُّيُونِ وَالضُّغُوطِ النَّفْسِيَّةِ، وَيُحَوِّلُ لَيْلَةَ الْعُمْرِ إِلَى هَمٍّ وَغَمٍّ. فَسَبِيلُ التَّرْشِيدِ يَبْدَأُ مِنْ تَغْيِيرِ الْقَنَاعَاتِ، وَإِحْيَاءِ مُبَادَرَاتٍ مِثْلَ "لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا"، وَدَعْوَةِ الْعُقَلَاءِ إِلَى أَنْ يَكُونُوا قُدْوَةً فِي التَّيْسِيرِ.
لَابُدَّ مِنْ وَقْفَةٍ جَادَّةٍ لِعِلَاجِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ:
1. إِحْيَاءُ الْقِيَمِ النَّبَوِيَّةِ: عَبْرَ تَكْثِيفِ خُطَبِ الْجُمُعَةِ وَالدُّرُوسِ الَّتِي تُذَكِّرُ بِمَحَاسِنِ التَّيْسِيرِ فِي الزَّوَاجِ.
2. دَوْرُ الْقُدْوَةِ: بِأَنْ يُبَادِرَ الْوُجَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ بِتَخْفِيفِ مُهُورِ بَنَاتِهِمْ، فَالنَّاسُ عَلَى دِينِ آبَائِهِمْ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.
3. تَغْيِيرُ النَّظْرَةِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ: بِحَمَلَاتٍ إِعْلَامِيَّةٍ تَرْبِطُ قِيمَةَ الْمَرْأَةِ بِدِينِهَا وَخُلُقِهَا، لَا بِثَمَنِ قَائِمَتِهَا.
4. تَشْجِيعُ الزَّوَاجِ الْجَمَاعِيِّ: الَّذِي يُخَفِّفُ التَّكَالِيفَ وَيَزِيدُ الْأُلْفَةَ وَالْمَحَبَّةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
5. التَّوْعِيَةُ الْأُسْرِيَّةُ: لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ بِأَنَّ سَعَادَةَ بَنَاتِهِمْ فِي حُسْنِ الِاخْتِيَارِ، لَا فِي الدُّيُونِ الَّتِي سَيُسَدِّدُهَا الزَّوْجُ مِنْ قُوتِ عِيَالِهِ مُسْتَقْبَلًا.
* أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: التَّيْسِيرُ هُوَ الْحَلُّ، وَالِاعْتِدَالُ هُوَ النَّجَاةُ. ابْدَأُوا بِأَنْفُسِكُمْ، وَكُونُوا قُدْوَةً فِي مُجْتَمَعَاتِكُمْ لِتَيْسِيرِ الْحَلَالِ وَإِغْلَاقِ أَبْوَابِ الْفِتَنِ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَاجْعَلْ بُيُوتَنَا عَامِرَةً بِذِكْرِكَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى، وَبِصِفَاتِكَ الْعُلَى، وَبِوَجْهِكَ الْأَكْرَمِ، أَنْ تُيَسِّرَ الزَّوَاجَ لِكُلِّ مَنْ قَصَدَ الْعَفَافَ مِنْ عِبَادِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَائِكَ.
اللَّهُمَّ سَهِّلْ سُبُلَ الْحَلَالِ لِشَبَابِنَا وَفَتَيَاتِنَا، وَاغْنِهِمْ بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْهُمُ الزَّوْجَةَ الصَّالِحَةَ وَالزَّوْجَ الصَّالِحَ،
اللَّهُمَّ ارْزُقْهُمْ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمَهُنَّ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مُؤُونَةً، وَارْزُقْ بَنَاتِنَا مِنَ الْأَزْوَاجِ مَنْ يَخَافُكَ فِيهِنَّ، فَيُكْرِمُهُنَّ إِنْ أَحَبَّهُنَّ، وَلَا يَظْلِمُهُنَّ إِنْ أَبْغَضَهُنَّ.
اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَى قُلُوبِ أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ التَّيْسِيرَ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، وَجَنِّبْهُمْ مَسَالِكَ الشَّيْطَانِ فِي الْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ وَالْمُبَاهَاةِ.
اللَّهُمَّ اكْسِرْ شَوْكَةَ الْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ الْبَالِيَةِ الَّتِي تُثْقِلُ كَاهِلَ الشَّبَابِ، وَتَصُدُّ عَنْ سَبِيلِكَ الْقَوِيمِ، وَاجْعَلْ مُجْتَمَعَاتِنَا الْإِسْلَامِيَّةَ مَضْرِبَ الْمَثَلِ فِي تَيْسِيرِ الزَّوَاجِ وَتَخْفِيفِ مُؤَنِهِ.
اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْغَلَاءَ وَالْمُغَالَاةَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي الْقَلِيلِ، وَلَا تَجْعَلِ الدُّيُونَ وَالْقُرُوضَ الرِّبَوِيَّةَ طَرِيقًا لِبِنَاءِ الْأُسَرِ، فَيَمْحَقُ بَرَكَتَهَا، وَيُذْهِبُ سَكِينَتَهَا.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ لَا تُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، فَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُقْتَصِدِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ إِخْوَانِ الشَّيَاطِينِ بِالْمُبَذِّرِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ شُؤْمِ الْمَرْأَةِ بِكَثْرَةِ صَدَاقِهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُؤْمِ الزَّوْجِ بِضَعْفِ دِينِهِ وَخُلُقِهِ.
اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الْأَزْوَاجِ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَامْلَأْ بُيُوتَهُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً وَسَكِينَةً وَطُمَأْنِينَةً.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ عَامِرَةً بِذِكْرِكَ، مَنِيعَةً بِطَاعَتِكَ، مُحَصَّنَةً بِحِفْظِكَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتَّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى، وَنَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّ خَزَائِنَكَ لَا تَنْفَدُ، وَجُودَكَ لَا يَبِيدُ.
اللَّهُمَّ أَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وَزِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا، وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي أَرْشَدَنَا إِلَى أَنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤُونَةً، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، الَّذِينَ تَزَوَّجُوا عَلَى نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ وَمَا مَعَهُمْ مِنْ قُرْآنٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وَاخْتِمْ لَنَا بِخَاتِمَةِ السَّعَادَةِ، وَاجْعَلْ عَوَاقِبَ أُمُورِنَا إِلَى خَيْرٍ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَيَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.