انطلق ايمن الى باب اللوق وحسب الموعد وقف امام تامورجى عيادة الدكتور عادل السبكى استاذ الجراحة بكلية الطب ..
-
ايمن بكير ولدى موعد مع الدكتور عادل ..
-
تفضل، هو بانتظارك ..
انتصب الدكتور عادل واقفا عندما
دخل ايمن وحياه بحرارة وقال :
- عندما اتصلت بى بالامس , لم اصدق نفسى ...انا قارىء نهم – وان كنت
مقلا هذه الايام – ولكنى على الاقل
قرأت معظم رواياتك ومعجب جدا بك
ولكن اخر ما توقعته ان تطلب
مقابلتى فحياتى وان كانت مليئة بقصص الكفاح المرير والسفر والنوادر , الا انها
حياة عادية لا ارى فيها شيئا يستحق ان
نظر ايمن الى محدثه ...رجل فى
منتصف الخمسينات طويل القامة خفيف
شعر الراس وسيم الوجه ورشيق وانيق
بلا تكلف ...قال ضاحكا :
- يا دكتور ...حتى الناس العادية يمكن ان تجد فى حياتهم ما يستحق ان يكتب
لم تعد الاحداث الخطيرة والفواجع
هى فقط ما يحب الناس ان يقرأوه ...الناس
خلع عادل نظارته ووضعها على
المكتب وقال مستفهما :
-
من ؟
-
هشام هاشم كامل ...
وقف عادل وجاء ليجلس على المقعد
المجاور لمقعد ايمن ...
-
ياااه ...لم اتخيل ان هذا هو الموضوع الذى جئتنى من
اجله ...ولكن كيف
-
خطابات ارسلتها اليه وكروت معايدة ...نجوى خلف الله
ايضا اكدت انك كنت
-
نعم هذا حقيقى ...كنا فى نفس الفصل فى ابتدائى وكان
متفوقا , يسبفنى فى
الترتيب وكان يتمتع بذكاء من نوع خاص وكان يهوى
الرسم وكثيرا ما كان
المعلمون يظبطونه وهو سارح عن الدرس ومنهمكا فى الرسم بالقلم الرصاص
وكانوا يتراجعون عن معاقبته اعجابا منهم برسومه
...ثم ....ثم حدث ما حدث
-
ما الذى حدث ؟
-
تغير فجاة ...لم يعد هو ...اصبح مزيجا من الحقد
والغل مع الغرور
والعدوانية ...يتحاشى الناس
مقابلته خوفا من تعليقاته الساخرة وانتقاداته
اللاذعة ...بعدوا عنه وبعد عنهم و
اندمج مع اخرين اقل ما يوصفوا به هو
انهم قد استغلوه اسوأ استغلال بالرغم من انه لم يكن يملك الكثير ليعطيه لهم
سكت عادل ثم اخرج سيجارة واشعلها
وقدم واحدة لايمن فلم يقبلها متحججا
- انا انصح الناس كل يوم بالاقلاع عن التدخين , بينما انا ادخن ..كلما مر عليك يوم يا استاذ ايمن كلما قل استمتاعك بالاشياء و تتبقى لك كل العادات الرذيلة !!
قال ايمن :
-
هل لى فى المزيد من التفاصيل ؟
-
طبعا طبعا ولكن هل انت بالفعل بصدد كتابة رواية عن
هشام ؟
-
ليس بالظبط ...تجمعنى صلة ما برحال ابنته ....وهى
تريد ان تعرف المزيد
-
لن تجد معلوماتى غزيرة ولكنى ازعم انها ستكون مفيدة
ولن ابخل باى
- معلومة حتى وان كانت تمسنى , للاسف.. كنت اتمنى لهشام مصيرا افضل
تكلم الدكتور عادل بطريقة ممنهجة
ومرتبة ومنطقية ...نكلم عما عايشه مع
شعر ايمن ان ليس لديه الان أى حجة ...معه اقوال كيفورك ونجوى وعادل
وعشرات الخطابات من والى هشام
وكمية لا بأس بها من الصور فى
مناسبات مختلفة بالاضافة الى
ما لخصته له رحال عن حصيلة ما جمعته
من قصص وخواطر واراء من اشقاء هشام
واقاربه ....
عاد ايمن الى الاسكندرية متفائلا
ومتحمسا وصل الى الفندق وداعب انجيلا
وشكرى وهما يتناولان عشائهما فى ركن بعيد من بهو الفندق فى جو يشع
بالرومانسية ...
-
والله منظر يوحى الى برواية عظيمة !!
- بطل تمثيل يا ايمن انت بالفعل تكتب رواية الان ومسألة اعتزالك دى حركة
دعائية مفهومة ...انت فقط ترفع من
سعرك !!!
- مظلوم والله يا شكرى ...انا كنت بالفعل يائس من ان اجد شيئا جديدا ولكن
امامى الان ماقد يكون مختلفا ..
-
هايل وهل سيرد ذكرنا فى الرواية ؟
-
جايز ...
انكب ايمن على عمله بحماس غير مسبوق
, نظم اوراقه ودبس كل مجموعة
خطابات على حدة و رتب الصور ترتيبا
زمنيا و دون ملاحظاته على ورق
وفى اليوم التالى , فتح دفتره
الكبير وبدا يكتب ...شعر من اول سطر انه يظلم هشام، او بالاصح يدينه بداية وان
ما سيكتبه سيجعل القراء واولهم رحال او من سيقرأ لها يكرهون هذه الشخصية
ولن يجدوا اى مبرر للتعاطف معها
شطب ما كتبه ,ولم يكن كثيرا , وعاهد
نفسه ان يلتزم الحياد و يسرد طبقا
للاوراق التى امامه تماما مثل القاضى الذى ينظر اوراق قضية ... كانت
المشكلة الاساسية التى تواجهه هى
انه لا توجد واقعة واحدة يتفق الجميع
عليها فكان عليه ان يجتهد قدر
استطاعته على توخى الحقيقة طبقا لما سمعه
شهر كامل قضاه فى غرفته لا يخرج
الا فى القليل النادر ربما لتناول الطعام
او للجلوس فى تريانون او لعب دور شطرنج مع شكرى يعرف مقدما
نتيجته !
وفى نهاية اليوم الثلاثين .... كتب الجملة الخالدة الجميلة : تمت بحمد الله
وبعد تدقيق وتردد وشطب وتعديل اصدر اوامره للاب توب بحفظ ملف "
رصاصة الرحمة " على الديسك
وعلى الفلاش ميمورى بعدها توجه الى
مكتب للطباعة بالكمبيوتر فى محطة الرمل و طبع الملف وصوره نسختين
ثم عاد سعيدا راضيا الى غرفته بعد ان طلب من انجيلا ان تأتى له باكلة
حمام معتبرة , ضاربا باوامر الاطباء عرض الحائط !!!
00000000000000000000000000000000000
فى شقتها الصغيرة فى حى ووتر كيرينج بامستردام فتحت رحال المظروف
الكبير الذى وصل لتوه من القاهرة ...وجدت بداخله خطابا مكتوبا بالانجليزية
كتبه ايمن ....
عزيزتى رحال ..
لم يكن من الممكن ان ارسل الرواية الى الناشر قبل ان استاذن منك او على الاقل ان تبدى ملاحظاتك او اعتراضاتك ..واعلمى ان ليس بالضرورة ان
يكون ما كتبته هو الحقيقة وانما هى رؤيتى انا ...وقد اجتهدت قدر الامكان
الا يشطح بى خيال الروائى وان التزم بالموضوعية ..
وبما اننى ادرك انك ربما لن تستطيعى قراءة الرواية باللغة العربية بسهولة، وان صديقتك هديل التى سافرت معك هى التى ستقوم بالمهمة فانا ارجو منها أن تساعدك على فهم ما قد يستعصى عليك فهمه من مفردات مصرية محلية مائة بالمائة ....وقد اثرت ان ارسل اليك الرواية مطبوعة وليس الكترونيا
فهكذا تعودت وعلى هذا نشات وتربيت مهما كان المامى بالتطورات
التكنولوجية ...
بانتظار ردك
ايمن بكير ..
استعانت رحال بصديقتها هديل على مدى اسبوعين, تقرأ لها واحيانا تجعلها
تقرأ بنفسها وتصحح لها وتشرح لها مالا تفهمه ....ناقشتا سويا الرواية وابدت هديل ملاحاظاتها واستفسرت من رحال عن مدى صحة بعض الاحداث طبقا
لما تعرفه من امها او مما جمعته
خلال العام الذى قضته فى مصر , ولم تستطع رحال ان تجيب على كل
استفسارات هديل لأنها ببساطة لا تعلم.. الا انها فى النهاية وجدت ان رواية ايمن تصور منطقى يبدو
معقولا ومتوافقا
واخيرا وصل بريد الكترونى الى ايمن
قالت فيه رحال بالانجليزية :
عزيزى ايمن ..
بصرف النطر عن ان بطل روايتك من المفروض انه ابى الا اننى لا املك
الا ان اشيد بمقدرتك ...لقد استطعت بمجرد الاطلاع على بعض القصاصات
والصور واقوال اصدقاء واقارب ان ترسم صورة هى الاقرب للواقع
والمنطق ومسار الحدث الحقيقى ....اشكرك على مجهودك واوافق على النشر، اما ما استقر عليه ضميرى بشان علاقتى بهذا الرجل فلن اتكلم عنه الان
ولنؤجل حديثنا الى لقاء قريب سواء فى القاهرة او
امستردام ولك جزيل
رحال
000000000000000000000000000000000000000
بعد شهرين,تم نشر رواية رصاصة الرحمة
وكالمعتاد تصفح ايمن صفحاتها لمراجعة اى خطا مطبعى وكالعادة
ايضا لم يعجبه ما كتبه واحس انه كان من
وفى دبى فتحت الابنة الكبرى لايمن غلاف الرواية , اعتادت هى ان تكون
اول من يقرا روايات والدها لتعطى له بعد ذلك تقريرا ناقدا مفصلا ....
قرأت الاهداء : الى الصغيرة التى اعادتنى للكتابة بفكرة هذه الرواية ...
ترى من تكون هذه الصغيرة , قالت لنفسها وبدأت فى القراءة ....
00000000000000000000000000000000
-
الى اين يا هشام ؟
-
سامر على كيكو و ربما اعود متأخرا , سيشرح لى درس
الفيزياء ..
-
ارجو ان تكون صادقا هذه المرة ...دائما تقول كيكو ثم
اسمع من برة انك
كنت مع نجوى ...
-
ليس كل مرة ...ولكن ما المشكلة فى ان اكون مع نجوى ؟
-
مشكلة واحدة فقط ؟ مليون مشكلة ...اولا هى اكبر منك
ثانيا انت تعلم انهم
شىء ونحن شىء اخر ...هم متسيبين شوية ...والناس قد
تفهم هذه العلاقة
بطريقة خاطئة ....
- نحن مجرد اصدقاء ولا تنسى انها ابنة خالى ...ما الخطأ فى ان اصادق ابنة
خالى ؟
-
نعم هى ابنة اخى ولكن انا لا تعجبنى ارائها ولا ملابسها
ولا اسلوبها فى
الكلام
-
ماشى يا امى ....سأذهب الان حتى لا اتاخر ..
خرج
هشام من المنزل وسار مسافة لا تزيد عن مائة متر
فسار امام فيللا خلف الله
اطلق
الصفير المميز الذى يطلقه لنداء اصدقائه, فما هى الا لحظات حتى خرجت
نجوى
...فتاة بيضاء ممتلئة القوام قليلا لها شعر اسود قصير ووجه مليح القسمات
تميزه
عينان بنيتان لا تكفان عن الحركة ولا
ملاحظة اى شاردة او واردة مما
يدور
حولها ...يومها كان هشام فى السابعة عشرة ونجوى فى العشرين هو فى
الصف
الثانى الثانوى وهى فى كلية الاداب قسم اللغة الفرنسية ..
-
اسمع ...اليوم سنقوم بمغامرة ...سنسرق سيارة والدى
...لفة كدة صغيرة فى
مصر الجديدة ...
-
ولكن الرخصة ؟
-
مش مهم ...لا احد سيشك فى ..
-
واذا عرف ؟
-
لن يعرف ...
-
يللا بينا ...
تسللا الى الجاراج , فتح هشام بابه الغليظ برفق ...دخلا السيارة الفيات
2300 الكحلى , فتحا الباب ودخلاها
بكل هدوء ...
قالت نجوى : يارب تدور من غير
فضايح ...
استجاب الله وانطلقت نجوى بالسيارة
وراحت تقودها بكل ثقة فى ذلك اليوم من ربيع 1974
ام تسأل نجوى نفسها ذات يوم او
بالاصح سالتها ولم تستطع ان تجيب لماذا هذه العلاقة المتميزة مع هشام ابن خالها
؟ لماذا تبوح له بكل اسرارها ؟ هل
صاحب من تشاء وكيفما يكون , سافل , منحط عبقرى حمار المهم ان تكون
نفسك، ثم ماله كيفورك ؟ ليس ذنبه
انه مثقف واذكى من اقرانه وانه يسبق
لا يشعر هشام بالراحة التامة الا
مع نجوى , نعم هو يرتاح ايضا مع كيكو
ولكن كثيرا ما يدخل معه فى معارك ومناقشات لان كيكو لا يعتقد ابدا فى
امكانية ان يكون على خطأ !!
انتهى اللقاء اليوم مع نجوى بمشكلة
...فقد اصطدمت سيارة عسكرية بمؤخرة
قال لها هشام ببساطة : انكرى الواقعة تماما واكيد سيتم الصاق التهمة بأخيك اشرف !!
000000000000000000000000000000000000000