حكم تحويل جزء من المسجد المستأجر إلى محل تجاري
(قراءة في نوازل الجاليات المسلمة في بلاد الغرب)
أما بعد .
أيها الأحبة في الله، يا من جمعتكم الغربةُ في ديار بعيدة، وتآلفت قلوبكم على طاعة الله، وإن كان المسجد هو ملاذ الروح، وقبلة القلب، ومأوى الطاعة، فإن له في شريعة الإسلام أحكامًا عظيمة، وحُرمةً سامية، لا يجوز التهاون فيها ولا التساهل في شأنها. وإن مما يرد على الأذهان في واقعنا المعاصر، خاصة في بلاد الأقليات المسلمة، أسئلةً دقيقة تتعلق بأحكام المساجد، وما يحل منها وما يحرم، وكيف نوازن بين حاجة المسجد المادية وقدسيته الروحية.
وقد ورد علينا سؤال من إخوان لنا يعيشون في كوريا الجنوبية، خلاصته أن رجلًا مسلمًا استأجر مبنى وحوّله إلى مسجد، تقام فيه الصلوات وتُرفع فيه رايات التوحيد. ثم ألمّت به ضائقة مالية، فعجز عن سداد الإيجار الشهري، ففكر في حل يظنه مخرجًا من هذه الأزمة، ألا وهو اقتطاع ثلث مساحة المسجد المستأجر، وتحويل هذا الجزء إلى محل تجاري، على أن يُصرف ربحه في سداد أقساط الإيجار والإنفاق على المسجد.
هذه المسألة، أيها الكرام، ليست مجرد سؤال فقهي عابر، بل هي اختبار حقيقي لمدى فهمنا لمعنى "الوقف لله"، ومعنى "بيوت الله"، ومعنى "التعظيم لشعائر الله". لذلك كان لزامًا علينا أن نقف معها وقفة علمية متأنية، نستقصي فيها الأدلة، ونُعمِل فيها قواعد الأصول، ونسبر أغوار كلام الفقهاء، حتى نصل إلى حكم الله في هذه النازلة، عسى أن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وقد ارتأيت أن أجعل هذه المحاضرة في عناصر منهجية محكمة، يسلم بعضها إلى بعض، لتكون عونًا لنا على فهم المسألة من جميع أطرافها:
وصغتها في عده عناصر
وقبل أن نغوص في تفاصيل الحكم الشرعي، لا بد لنا من تأصيل عقدي وفقهي لماهية المسجد. فما هو المسجد في نظر الإسلام؟ أهو مجرد عقار كسائر العقارات، يملكه أفراد، وتجري عليه أحكام البيع والإجارة والرهن؟ أم أنه كيان آخر، له أحكامه الخاصة التي تستمد من الغاية التي بني من أجلها؟
إن الناظر في نصوص الوحيين ليدرك من أول وهلة أن المسجد ليس كغيره من البقاع، فهو بيت الله في الأرض، أضافه المولى عز وجل إلى نفسه إضافة تشريف وتعظيم، فقال جل شأنه: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا﴾ [الجن: ١٨]. وفي هذه الآية الكريمة بيان واضح أن المساجد مختصة بالله تعالى، وهذا الاختصاص يقتضي أن تكون العبادة فيها خالصة لله وحده، وأن تُصان عن كل ما يشوب هذا الإخلاص أو يتعارض مع هذه الخصوصية. وقد قال المفسرون: إن إضافة المساجد إلى الله تعالى هي إضافة تشريف، كما يُقال "بيت الله" و"شهر الله"، فهذه الإضافة تقتضي مزيد عناية واحترام، وتمنع من امتهانها أو الانتفاع بها في غير ما أُعدّت له من عبادة وصلاة وذكر لله.
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في بيان الصفات الحميدة لمن يعمرون هذه المساجد: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦ رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ﴾ [النور: ٣٦-٣٧]. فالمساجد بيوت أذن الله أن تُرفع، أي أن تُبنى وتُعظم ويُحتفى بها، وجعل وظيفتها الأولى والأخيرة هي ذكره تعالى وإقامة الصلاة. فكيف يليق بمسجد هذه صفته، أن يُتخذ جزء منه مكانًا للتجارة والبيع والشراء، الذي قد يشغل عن ذكر الله؟ إن التعبير القرآني البديع "لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ" فيه إشارة إلى أن التجارة والبيع في ذاتهما قد يكونان مظنة للإلهاء، فكيف إذا وقعا في نفس المكان المعدّ لذكر الله؟ إن هذا لمن أعظم التناقض.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة". <أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب من بنى مسجدا، برقم 450، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل بناء المساجد والحث عليها، برقم 533، واللفظ له>. فهذا الحديث العظيم يبين فضل الباني للمسجد إذا قصد ببنائه وجه الله، مما يستلزم أن كل ما يناقض هذا القصد من استغلال المسجد لأغراض دنيوية بحتة يخرجه عن هذا الفضل العظيم. فالنية هنا ركن جوهري؛ بناء المسجد عبادة، واستثماره تجارةً يتنافى مع روح هذه العبادة.
إذا تقرر هذا، فإن الفقهاء قد نصوا على مسألة في غاية الأهمية، وهي أن المسجد متى بُني وأُذن لعامة المسلمين بالصلاة فيه، فإنه يخرج عن ملك بانيه، ويصير وقفًا لله تعالى، تنقطع عنه أملاك العباد، فلا يباع ولا يوهب ولا يورث. وهذا الحكم عليه إجماع الأمة عمليًا، وهو ما قرره جماهير أهل العلم من المذاهب الأربعة.
قال الإمام ابن قدامة في "المغني": "وإذا بنى الرجل في ملكه مسجدا، وأذن للناس في الصلاة فيه، زال ملكه عنه، وصار وقفا على المسلمين، لا يجوز بيعه ولا التصرف فيه". <المغني لابن قدامة، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي وعبد الفتاح محمد الحلو، دار عالم الكتب، الرياض، الطبعة الثالثة، 1417هـ/1997م، ج8، ص227>. هذا النص الحاسم يضع حدًا فاصلًا لأي محاولة لاستغلال المسجد كملك خاص. وقد ذكر ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" أن "المساجد لا تملك، ولهذا لا يجوز بيعها ولا هبتها ولا التصرف فيها بما يمنع المسجدية". <مجموع الفتاوى، تقي الدين أحمد بن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، 1416هـ/1995م، ج31، ص219>.
بل إن بعض العلماء يرى أن مجرد عزل الأرض وتخصيصها لله بنية المسجدية كافٍ لصيرورتها وقفًا، حتى قبل البناء. لكن الحالة التي أمامنا هي أبعد من ذلك بكثير؛ فالمبنى قد أقيمت فيه الصلاة بالفعل، وأذن للناس بالصلاة فيه إذنًا عامًا، مما يؤكد خروجه عن دائرة الملك الخاص ودخوله في دائرة الوقف العام الذي لا يجوز التصرف فيه.
وهنا ينبثق سؤال جوهري، وهو لب المشكلة: هل المسجد المستأجر يأخذ نفس حكم المسجد المبني في أرض موقوفة أو مملوكة لله؟ بمعنى: إذا استأجر شخص مبنى، ثم أذن للناس بالصلاة فيه جماعة، فهل يصير هذا المبنى "مسجدًا" شرعًا له كافة أحكام المسجد من حيث حرمة التصرف، مع أن عين المبنى ليست ملكًا للمصلين ولا للمستأجر، بل هي ملك لصاحبها الأصلي؟
للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن نلجأ إلى قاعدة فقهية دقيقة: "الوقف لا يثبت إلا في الملك، أو فيما هو في حكم الملك". (هذه قاعدة معروفة عند الفقهاء، فالوقف عند الجمهور لا يصح إلا في مملوك ملكًا تامًا، لأن الوقف إخراج للمال عن ملك الواقف إلى جهة عامة، وهذا لا يتأتى إلا إذا كان الشيء مملوكًا أولًا). فالمستأجر ليس مالكًا للرقبة، بل هو مالك للمنفعة فقط مدة الإجارة. فلا يملك أن يحول هذا المستأجر إلى وقف، لأن "فاقد الشيء لا يعطيه". إن إجراء عقد الوقف من المستأجر على عين لا يملكها هو إجراء باطل، لأن الوقف تصرف في الرقبة. هذا المبنى بقي على ملك صاحبه الأصلي، والعقد بينه وبين المستأجر هو عقد إجارة ينتهي بانتهاء مدته.
ومع ذلك، فهل معنى هذا أن هذا المكان ليس له حرمة أبدًا، وأنه يجوز التصرف فيه كيفما اتفق؟ الجواب: لا. إن هذا المكان ما دام قد اتخذ مصلى تقام فيه الجماعة، وأذن فيه إذنًا عامًا، فإنه يأخذ حكم "المسجد" من بعض الوجوه دون بعض. فهو من جهة له حرمة بيوت الله من حيث عدم جواز رفع الصوت فيه باللغو، ومنع الحائض والجنب من المكث فيه عند بعض الفقهاء، وكراهة البيع والشراء فيه، واستحباب تحيته بالصلاة. ولكنه من جهة أخرى لا يأخذ حكم الوقف التام الذي يمنع التصرف في رقبته، لأن الرقبة ليست مملوكة للمسلمين. هذه التفرقة الدقيقة هي مفتاح الحل في هذه النازلة.
ولكي نتعامل مع الواقع بوضوح، يمكننا أن نقول: إن هذا المبنى هو "مسجد حكمًا" من حيث الشعائر، و"ملك مستأجر" من حيث الرقبة والأحكام المالية. وهذا هو سر الخلاف بين المعاصرين في أحكام المساجد المستأجرة في بلاد الغرب؛ فهي ليست كالمساجد الموقوفة في بلاد الإسلام. إن المسجد الموقوف الذي بني بأموال المتبرعين وصار ملكًا للمسلمين لا يمكن لأحد أن يقتطع منه شيئًا لمحل تجاري، لما ذكرناه من حرمة الوقف. أما المسجد المستأجر، فالمسألة أخف وأدق، لكنها مع ذلك تخضع لضوابط الشريعة ومقاصدها كما سنبينه في العنصر التالي.
إذا تقرر أن المسجد المستأجر يأخذ حكم المسجد في جملة من الأحكام التعبدية، فينبغي أن ننظر في حكم البيع والشراء واتخاذ المحال التجارية في داخل حيزه.
لقد ورد في السنة المطهرة أحاديث صريحة في النهي عن البيع والشراء في المسجد، وتحريم اتخاذه سوقًا. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا: لا ردها الله عليك". <رواه الترمذي في سننه، أبواب البيوع، باب ما جاء في كراهية البيع في المسجد، برقم 1321، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الجمعة، باب النهي عن البيع والشراء في المسجد، برقم 1765، والدارمي في سننه، كتاب البيوع، باب في النهي عن البيع في المسجد، برقم 2528، وقال الترمذي: حديث حسن>. فهذا الحديث أصل كبير في تحريم البيع والشراء في المسجد، لأن الدعاء على فاعله بعدم أرباح تجارته وعيد شديد لا يكون إلا على فعل محرم. وقد فهم الفقهاء من هذا الحديث أن البيع والشراء في المسجد حرام أو مكروه كراهة تحريم، حماية للمسجد من أن يكون مكانًا للضجيج والمساومة والغفلة عن ذكر الله. وقال بعضهم إن العقد في المسجد معصية، ولكنه هل يقع صحيحًا؟ على تفصيل عند الفقهاء؛ لكن المقصود هنا هو الحكم التكليفي وهو الحرمة.
ولقد سئل الإمام ابن تيمية رحمه الله عن حكم البيع والشراء في المسجد فأجاب: "البيع والشراء في المسجد لا يجوز، والمسجد لم يُبنَ لذلك، بل بني لذكر الله والصلاة، فمن فعل ذلك فيه فقد وضع الشيء في غير موضعه". <الاختيارات الفقهية لابن تيمية، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، ص 120>.
ويقول الإمام النووي في "المجموع": "يكره البيع والشراء في المسجد، سواء كان للتجارة أم لغيرها، وسواء كان في ذلك تشويش على المصلين أم لا". <المجموع شرح المهذب، يحيى بن شرف النووي، دار الفكر، بيروت، ج2، ص170>. ونلاحظ هنا أن النووي رحمه الله يرى الكراهة حتى مع عدم التشويش، حفاظًا على هيبة المسجد وقدسيته. فالمسجد مكان للتعبد والتزود الروحي، وتخصيص جزء منه للتجارة يتناقض مع هذه الغاية السامية، حتى وإن قصد بذلك نفع المسجد.
بعد أن استقرت في الأذهان المقدماتُ السابقة، نأتي الآن إلى لبّ المسألة وجوهر الإشكال: هل يجوز للمستأجر أن يقتطع ثلث مساحة هذا المصلى المستأجر ويحوله إلى محل تجاري يصرف ربْحه في سداد الإيجار؟ هذا السؤال يتردد كثيراً في أوساط الجاليات المسلمة في بلاد الغرب، حيث لا يملك المسلمون الأرض أو المبنى، وحيث يكون خطر إغلاق المسجد بالكلية قائمًا ومحدقًا.
للإجابة عن هذا السؤال إجابةً علميةً منصفة، لا بد لنا من سلوك طريقين متوازيين:
الطريق الأول: أن ننظر: هل ثمّت وجوه شرعية تُجوِّز هذا الفعل من حيث الأصل، إذا توافرت شروط وضوابط معينة؟
الطريق الثاني: أن نُنزِل هذه الشروط والضوابط على واقع مسألتنا الكورية، فننظر أيتحقق منها شيء أم لا.
وبهذا المنهج يجتمع لدينا التأصيل والتنزيل، ولا نكون قد جانفنا الصواب بمنع مطلق أو إجازة مطلقة، بل نعطي كل مقام ما يستحقه من حكم.
● أولاً: الوجوه والشروط التي يمكن أن تُجوِّز التصرف في جزء من مبنى المسجد للمصلحة في ضوء كلام الفقهاء
إن جمهور الفقهاء على أن المسجد إذا صار وقفًا لله، لا يجوز تغيير هيئته ولا تخصيص شيء منه لغير الصلاة. وهذا ما قرره مجلس الإفتاء والبحوث والدراسات الإسلامية في الأردن في قرار له: "لا يجوز تخصيص جزء من المسجد لاستعماله خارج مقاصد المسجدية؛ فوقف المسجد يعني حصر المكان وتخصيصه للعبادة وأداء رسالة المسجد الدينية، وليس للمناسبات الرسمية العامة أو الخاصة... وتأجيرها للمناسبات الدنيوية العادية بلا شرط من الواقف يحول دون نفاذ الوَقف فيما وُقف عليه". <قرار رقم (262) لمجلس الإفتاء والبحوث والدراسات الإسلامية (الأردن)، المنشور على موقع دائرة الإفتاء العام الأردنية بتاريخ 19-07-2018>.
غير أنه قد وردت استثناءات عند بعض أهل العلم، خاصة عند الحنابلة، تُجيز التصرف في جزء من مبنى المسجد للمصلحة، ولكنها مشروطة بقيود صارمة جدًا، لا بد من استجماعها كاملة. وهذه القيود والشروط نستخلصها من كلامهم على النحو التالي:
• الشرط الأول: أن يكون التصرف لمصلحة المسجد الخالصة، لا لمصلحة شخصية أو تجارية بحتة.
وهذا الشرط مستفاد من تعليل الحنابلة لجواز رفع المسجد وجعل دكاكين تحته بقولهم: "لما فيه من المصلحة"، والمصلحة المعتبرة هنا هي مصلحة المسجد وعمارته وبقاؤه، لا مصلحة شخص بعينه ينتفع من هذه التجارة لنفسه. فإذا كان الباعث على فتح المحل التجاري هو استغلال المسجد كمشروع ربحي خاص، فهذا لا يجوز بلا خلاف.
• الشرط الثاني: وجود مجلس إدارة أو هيئة شرعية للمسجد تتشاور في هذا الأمر، ولا ينفرد به شخص واحد.
وهذا الشرط مبني على قاعدة أن التصرف في الوقف أو ما في حكمه من المصالح العامة لا يكون للأفراد، بل يكون لأهل الحل والعقد أو لنظّار الوقف. وقد نص الحنابلة على أن الجواز مشروط بـ"أن يريد أكثر أهل محلته ذلك"، أي أن يكون القرار جماعيًا تشاوريًا لا فرديًا استبداديًا.
• الشرط الثالث: عجز أهل المسجد والمصلين عن سد الحاجة المالية بعد عرض الأمر عليهم واستنفاد الوسائل المشروعة.
وهذا ضابط مستفاد من قاعدة "الضرورة تقدر بقدرها" و"المشقة تجلب التيسير". فإذا كان بالإمكان جمع التبرعات أو إيجاد مصادر تمويل أخرى دون المساس بحرمة المسجد، فلا يجوز الانتقال إلى هذا الحل الذي هو من رخص الضرورات. فلا بد أن يُعرض الأمر على جماعة المسجد أولاً، وتُستنفذ محاولات جمع المال، فإذا عجزوا جميعًا عن توفير الإيجار، وأصبح إغلاق المسجد هو الخيار الوحيد، فعندئذ فقط يمكن النظر في هذا الحل كاستثناء.
• الشرط الرابع: ألا يكون الجزء المُقتطَع من المسجد محتاجًا إليه في الصلاة.
وهذا هو نص الحنابلة صراحة: "إذا كان هذا الجزء لا يُحتاج إليه في الصلاة". فقد ورد عن الإمام أحمد رحمه الله ما يجيز رفع المسجد وجعل دكاكين تحته للمصلحة، إذا كان هذا الجزء لم يُحتج إليه للصلاة. وجاء في كتاب "كشاف القناع" للبهوتي الحنبلي: "ويجوز رفع مسجد إذا أراد أكثر أهل محلته أي: جيرانه ذلك; أي: رفعه وجعل تحت سفله سقاية وحوانيت ينتفع بها، نص عليه [أي الإمام أحمد] في رواية أبي داود; لما فيه من المصلحة, وظاهره: أنه يجوز لجنب ونحوه جلوس بتلك الحوانيت; لزوال اسم المسجدية". <كشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس البهوتي، تحقيق: هلال مصيلحي مصطفى هلال، دار الفكر، بيروت، 1402هـ، ج4، ص375>. وهذا الذي أشار إليه موقع "الإسلام سؤال وجواب" في فتوى له حين قال: "إذا كان هذا الجزء لا يُحتاج إليه في الصلاة، فلا حرج في تأجيره في أمر مباح يتناسب مع مكانة المسجد واحترامه، بشرط موافقة أكثر أهل المسجد، وذلك بناء على أن التصرف في الوقف وتغيير صورته بما يعود عليه بالمصلحة جائز. وقد أجاز الحنابلة أن يرفع المسجد ويجعل تحته دكاكين للمصلحة". <الإسلام سؤال وجواب، فتوى رقم: 128855، بتاريخ 10/فبراير/2010>.
• الشرط الخامس: زوال اسم المسجدية عن الجزء المقتطع، بأن يُفصل فصلاً كاملاً عن حيز الصلاة.
فقولهم: "لزوال اسم المسجدية" يعني أن هذا الجزء لم يعد مسجدًا لا حكمًا ولا حقيقة، وإنما صار مرفقًا من مرافق المسجد الخارجية. وهذا يستلزم أن يكون للمحل مدخل مستقل، وألا تُسمع فيه أصوات البيع والشراء في حيز الصلاة، وألا يكون طريقًا للمصلين.
• الشرط السادس: ألا يكون في هذا التصرف إعانة على محرم، ولا ذريعة إليه.
فما يُباع في هذا المحل يجب أن يكون مباحًا، وألا يكون فيه تعامل ربوي، ولا غش، ولا بيع لما يخالف الشرع. وقد ذكرت فتوى إسلام ويب هذه النقطة بوضوح: "وما ذكرته من كون ما يباع في هذه المحال غير معلوم، فاعلم أن الأصل في المسلمين السلامة، وأنهم لا يبيعون إلا ما كان مباحًا، فإذا اطلع على من يبيع شيئًا محرماً، وجب نهيه عن ذلك ومنعه منه بما أمكن من الوسائل، وإذا كانت هذه المحال يُصرف ربحها في مصلحة المسجد فعلى القائمين على المسجد أن ينظروا فيما يباع فيها، وأن يتحروا موافقة الشرع في ذلك وعدم مخالفته". <إسلام ويب، فتوى رقم: 122698، حكم فتح محل تجاري في ساحة المسجد، بتاريخ 9-5-2009>.
• الشرط السابع: ألا يؤدي هذا التصرف إلى إسقاط هيبة المسجد في نفوس الناس، وألا يكون ذريعة إلى اتخاذ المساجد متاجر.
وهذا الشرط مبني على قاعدة سد الذرائع، وعلى مقصد الشريعة في تعظيم بيوت الله. فإذا كان فتح المحل التجاري سيؤدي إلى امتهان المسجد في أعين الناس، أو فتح باب للطامعين ليجعلوا المساجد أسواقًا، فإن المصلحة المتوهمة هنا ملغاة بالمفسدة المتيقنة.
● ثانيًا: تطبيق هذه الشروط على واقع المسألة الكورية وبيان عدم تحققها
والآن، بعد أن حررنا شروط الجواز وأحكمنا رسمها، فلننظر هل تتحقق هذه الشروط في مسألتنا الكورية أم لا.
• أما الشرط الأول: وهو كون التصرف لمصلحة المسجد الخالصة، فقد يبدو ظاهره متحققًا؛ لأن الرجل يريد صرف الربح في سداد الإيجار.
وعليه ان يدخل مجلس اداره وهيئة رقابية تفصل بين ماله الخاص ومال المسجد، في هذا الامر.
• وأما الشرط الثاني: وهو وجود مجلس إدارة أو هيئة تشاورية، فلم يُذكر في السؤال وجود شيء من هذا، بل الظاهر أن المستأجر فرد واحد يريد اتخاذ القرار بنفسه. وهذا يخالف ما قرره الفقهاء من أن التصرف في المصالح العامة لا يكون للأفراد.
• وأما الشرط الثالث: وهو عجز أهل المسجد والمصلين عن سد الحاجة بعد التشاور العام واستنفاد الوسائل المشروعة، فهذا الشرط هو العمدة في الباب، وهو غير متحقق في السؤال. فلم يُذكر أن الأمر قد عُرض على المصلين، ولا أنهم قد طلبوا منهم التبرع، ولا أنهم قد بُذل جهد في جمع المال. والانتقال إلى الحل الاستثنائي قبل استنفاد الحلول الأصلية هو من التسرع المذموم.
• وأما الشرط الرابع: وهو كون الجزء المقتطع غير محتاج إليه في الصلاة، فالمسألة هنا تتعلق بثلث مساحة المسجد! أي بنسبة كبيرة من المكان، مما يعني أن هذا الجزء إما أن يكون مصلى للرجال أو للنساء أو نحو ذلك، فهو محتاج إليه حاجة ظاهرة، لا سيما في أوقات الجمع والأعياد.
• وأما الشرط الخامس: وهو زوال اسم المسجدية عن الجزء المقتطع بفصله فصلاً كاملاً، فهو غير متحقق، بل هو متعذر في مبنى مستأجر. فالمستأجر لا يملك حق إحداث تغييرات إنشائية جوهرية في ملك الغير كبناء جدران فاصلة أو فتح أبواب خارجية مستقلة، إلا إذا أذن له المالك صراحة، وهذا إذن مفقود. وفعل ذلك بغير إذن المالك هو من الغصب والعدوان المحرم شرعًا وقانونًا.
• وأما الشرط السادس: وهو عدم الإعانة على محرم، فهذا لا نستطيع الجزم بانتفائه أو تحققه، ولكنه يبقى قيدًا احترازيًا.
• وأما الشرط السابع: وهو عدم إسقاط هيبة المسجد، فهذا الشرط غير متحقق قطعًا، لأن اقتطاع ثلث المسجد القائم وتحويله إلى دكان يبيع ويشتري، والناس يصلون بجواره، فيه من امتهان المكان وإذهاب هيبته ما لا يخفى على عاقل.
● ثالثًا: خلاصة هذا العنصر
يتبين لنا مما سبق أن ثمت وجوهًا وشروطًا تُجوِّز عند بعض الفقهاء التصرف في جزء من المسجد للمصلحة، ولكنها شروط صارمة جدًا، لا تكاد تجتمع إلا في حالات الضرورة القصوى التي يُخشى فيها من ضياع المسجد بالكلية. غير أن هذه الشروط، عند تنزيلها على واقع المسألة الكورية التي نحن بصددها، لا تكاد يتحقق منها شيء. ومن ثم، فإن القول بالجواز في هذه الحالة قول متعذر،اللهم الا اذا تحققت الشروط المذكوره والبقاء على الأصل وهو المنع هو الواجب شرعًا، حتى يفتح الله بابًا من عنده.
وفي سياق متصل، يجب أن نذكر قاعدة شرعية أصولية عظيمة، هي من قواعد الإسلام الكبرى، وهي حرمة التعاون على الإثم والعدوان. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].
هذه الآية أصل في سد باب الفساد، وهي تنطبق على صورتنا من وجوه متعددة:
• الوجه الأول: إذا كان فتح المحل التجاري سيؤدي إلى بيع محرمات، أو التعامل بالربا، أو بيع ما هو محظور شرعًا، فهذا إعانة ظاهرة على الإثم، وسيكون على القائمين على المسجد وزر ذلك.
• الوجه الثاني:
أن هذا التصرف قد يفتح بابًا للطامعين، فيعتاد الناس رؤية المحال التجارية ملحقة بالمساجد، فتذهب هيبتها من القلوب.
بعد هذا الاستعراض، يمكننا أن نلخص الحكم الشرعي في هذه النازلة على النحو التالي:
● حرمة البيع والشراء داخل حيز المسجد: فتح محل تجاري داخل حدود المصلى يعني مباشرة البيع والشراء في مكان الصلاة، وهذا فعل ممنوع بالنص النبوي الصريح القائل: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك".
● حرمة تغيير وظيفة المكان: هذا المكان اتخذه المسلمون مصلى تقام فيه الجماعة، فتحويل ثلثه إلى محل تجاري هو تغيير لوظيفته الأساسية، وهو أمر لا يجوز لأنه يؤدي إلى إسقاط حرمة المكان وانشغال رواده بأمور الدنيا عن ذكر الله.
● عدم تحقق شروط الجواز عند القائلين به: حتى على الرأي الذي يجيز رفع المسجد وجعل دكاكين تحته، فإن شروطه لم تتحقق هنا، لأن المبنى مستأجر، والمستأجر لا يملك حق إحداث تغييرات إنشائية في ملك غيره، ولأن الاقتطاع هنا سيكون من حيز المسجد القائم والمستخدم فعلاً.
● قاعدة سد الذرائع: هذا العمل سيكون وسيلة إلى فتح باب لا يُغلق، حيث يعتاد الناس على وجود المتاجر داخل المساجد، فتضيع هيبة بيوت الله.
العنصر الثامن: الحلول البديلة المقترحة والخاتمة
إن شدة الحاجة إلى المال لا تبرر ارتكاب المحظور، فالله تعالى لم يجعل معصيته طريقًا لطاعته. والمخرج من الضائقة يكون بسلوك السبل المشروعة، ومن ذلك:
● المسارعة في طلب التبرعات: حث المصلين والجالية المسلمة في كوريا وخارجها على التبرع لسداد الإيجار، فهو من أبواب الخير العظيمة، وفيه إعانة على إبقاء بيت من بيوت الله مفتوحًا.
● التفاوض مع المؤجر: التواصل مع صاحب المبنى لشرح الظروف، وطلب تخفيض الإيجار، أو تقسيطه، أو إمهال المستأجر حتى يتحسن حاله المالي.
● تغيير موقع المسجد: إذا تعذر الوفاء بالإيجار، فبإمكانهم البحث عن مبنى آخر أقل تكلفة، ونقل النشاط إليه، مع الحرص على أن يكون مكانًا لائقًا بالشعيرة. فالجماعة هي الأصل، والمكان يتبعها.
● استثمار خارج المسجد: إذا كان ولا بد من فتح محل تجاري لتمويل المسجد، فينبغي أن يكون في مبنى مستقل تمامًا، خارج حدود المصلى، بحيث لا يتصل به ولا يكون جزءًا منه، فذلك جائز إن شاء الله.
وختامًا، أيها الإخوة المؤمنون، إن المساجد هي حصون الأمة وقلاع الإيمان، وإن صيانتها وحفظها من الواجبات العظيمة، فلا ينبغي أن نجعل حاجتنا المادية مدخلًا للتفريط في حرمتها. إن بيتًا أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه، لأعظم وأجل من أن يجعل سوقًا للمتاع الزائل. فلنحفظ بيوت ربنا، يحفظنا الله في الدنيا والآخرة. اللهم اجعلنا من عمار بيوتك، وارزقنا تعظيم شعائرك، ووفقنا لما تحبه وترضاه.
ونسأله سبحانه أن يكون هذا الجهد خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به الإخوة في ديار الغربة وسائر بلاد المسلمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
اللهم يا من جعلت المساجد بيوتًا لك في أرضك، ومنارات هدى لعبادك، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن ترزقنا تعظيم شعائرك، وأن تملأ قلوبنا هيبة لبيوتك، وأن تجعلنا من عُمارها حقًا، الذين تحبهم وترضى عنهم.
اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال، وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، ووفقنا لبناء مساجدك وصيانتها بالحلال الطيب، وأغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك. اللهم فرِّج كرب إخواننا في كل مكان، ويسر لهم سبل إقامة دينك، واكفهم هم الديون والإيجارات، وارزقهم من حيث لا يحتسبون.
اللهم طهّر مساجدنا من كل رجس، وأبعد عنها كل فتنة، واملأها بالخاشعين الذاكرين، واجعلها رياضًا من رياض الجنة. اللهم من أراد بمساجدك سوءًا فرد كيده في نحره، ومن سعى فيها بالخير فبارك في سعيه، وأجزل مثوبته. اللهم اجعل هذا العمل خالصًا لوجهك، واجعله حجة لنا لا علينا يوم لقائك. وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.