حين يتكلم الصمت بلغة الحب
أجمل
المشاعر ليست تلك التي تُقال، بل تلك التي تُلمح من خلف ستائر الصمت، فتصل
إلى القلب دون استئذان، كما يصل عبير الياسمين إلى النافذة المغلقة. فبعض
الأحاسيس أكبر من أن تحتويها الكلمات، وأعمق من أن تصفها الحروف، إنها تسكن
شغاف القلب كقنديلٍ من نور، كلما حاولتَ إخفاءه ازداد توهجًا.
الحب
الحقيقي لا يرفع صوته، بل يجلس في هدوء الملوك على عرش الروح. يختبئ في
نظرةٍ عابرة، وفي سؤالٍ بسيطٍ عن تفاصيل يومك، وفي خوفٍ عليك لا يعترف
بنفسه. فكم من كلمة "أحبك" قالتها الألسن ولم تبلغ القلب، وكم من صمتٍ
طويلٍ كان أبلغ من ألف اعتراف.
وأقسى
العتاب هو ذلك الذي يختنق في صدر المحب، فلا يخرج إلا على هيئة صمتٍ حزين،
كغيمةٍ مثقلة بالمطر تخشى أن تهطل فتغرق حقول الشوق. وأجمل الاهتمام ما
جاء دون طلب، كالمطر حين يزور الأرض العطشى دون موعد، وكالقمر حين يرافق
المسافر في عتمة الطريق دون أن ينتظر شكرًا.
الحب
ليس وعدًا يُقال، بل أمانٌ يُشعر به القلب. ليس احتضانَ ذراعين فحسب، بل
احتضانَ روحٍ لروح، حتى يشعر المرء أنه عاد إلى وطنه بعد طول اغتراب.
فالوطن ليس أرضًا فقط، بل شخصًا إذا حضر سكنت الفوضى، وإذا ابتسم أزهرت
الجهات الأربع.
وما
أروع الحب حين يصبح سكينةً لا قيدًا، وشغفًا لا وجعًا، ولهفةً لا خوفًا.
حين يغدو الحبيب شمسًا لا تحرق، ومطرًا لا يغرق، وبحرًا لا يُخشى عمقه.
عندها تدرك أن الحب ليس قصةً من بدايات ونهايات، بل عالمٌ من اللانهايات،
كلما بلغتَ أفقًا فيه، فتحت لك الروح أفقًا أجمل.
لذلك قيل: ليست أعظم العلاقات تلك التي يكثر فيها الكلام، بل تلك التي يكفي فيها الصمت ليفهم القلب ما عجزت عن قوله اللغات كلها.