في عالم تتداخل فيه المدارس الفنية وتتلاقى الرؤى لتخلق آفاقاً بصرية جديدة، يبرز الفن التشكيلي كجسر يربط بين عراقة الماضي وديناميكية الحاضر. ومن قلب هذا الحراك الإبداعي البديع، شهدت الساحة الثقافية تجربة بصرية فريدة من نوعها في معرض رباعي حمل عنوان "بيت الفن والفنانين"، حيث التقت مدارس فنية متنوعة لتنسج معاً سيمفونية مغايرة للعين والوجدان. وفي هذا الفضاء الإبداعي، كان لنا وقفة استثنائية مع بطلة الحرف الروحاني، الفنانة والخطاطة القديرة "هدى قدري"، التي نجحت في أخذ الجمهور إلى رحلة غير نمطية تذوب فيها حدود الزمان لتجمع بين أصالة التراث وحداثة الرؤية، في عرض خطف قلوب وعقول الحاضرين.
هدى قدري.. عندما يتنفس الحرف روحانية وفناً الفنانة هدى قدري ليست مجرد خطاطة ومزخرفة عابرة، بل هي صاحبة مشروع فني ذو أبعاد ثقافية عميقة؛ بحكم عملها كعضو هيئة تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها بالمركز الثقافي المصري، تمتلك هدى نظرة خاصة للحرف العربي تجعله ينبض بالحياة على اللوحات.
وقد تجلى هذا بوضوح في معرض "بيت الفن والفنانين"، حيث شاركت بـ عشرين لوحة فنية، أفردت من بينها خمس لوحات استثنائية شكلت مكمن المفاجأة في المعرض؛ حيث مزجت برؤية تشكيلية ذكية بين الخط العربي، والزخرفة الكلاسيكية، وتكوينات الآلات الموسيقية، مستخدمةً فن "الكولاج". ولم تقف عند هذا الحد، بل استحضرت طاقة وأرواح عمالقة زمن الفن الجميل في عالمنا العربي، فجاءت لوحاتها لتعزف أنغاماً بصرية تكريماً للراحلين: أم كلثوم، محمد فوزي، سيد درويش، وكارم محمود.
تطويع الحرف والخروج عن النمط نجحت هدى قدري في تطويع الحرف العربي والخروج به من قوالبه الأكاديمية النمطية إلى فضاءات التشكيل الحديث، لتقدم للزائر منظوراً جديداً ومدهشاً للخط العربي، يجمع بين عبق التراث وديناميكية الحداثة في تجربة فنية بروحانيات تكوينية عالية الأهمية.
مسيرة حافلة بالتقدير والتكريم هذا التميز ليس بجديد على الفنانة هدى قدري، فمسيرتها الفنية حافلة بالمعارض الفردية والجماعية على المستويين المحلي والدولي. وقد نالت تقديراً رفيعاً من كبرى المؤسسات الثقافية؛ حيث حصدت شهادات تكريم ودروعاً من مختلف المتاحف والقصور الثقافية، ودار الأوبرا المصرية، والمجلس الأعلى للثقافة، إلى جانب تكريمها الخاص من وزارة الثقافة المصرية من خلال ملتقى القاهرة الدولي للخط العربي والزخرفة.
إن معرض "بيت الفن والفنانين" كان حالة فريدة من التلاحم الفني بفضل التنوع المدهش بين المدارس السريالية والتكعيبية والواقعية والطبيعة الصامتة. وإذ أفردنا هذا المقال لتسليط الضوء على تجربة الفنانة هدى قدري الملهمة، فإننا سنلتقي بالقراء في المقالات القادمة بإذن الله لنبحر سوياً ونُسلط الضوء على باقي القامات الفنية المتميزة المشاركة في هذا الحدث، وهم: الأستاذ الدكتور رأفت عبد السلام (أستاذ الهندسة بجامعة القاهرة)، والفنان التشكيلي القدير الأستاذ أمجد حسني، والفنان التشكيلي والإعلامي اللامع الأستاذ خالد بركة، لنستكمل معاً قراءة هذه اللوحة الرباعية المبهرة.