تمنى ان يكون مقر اقامته فى هذه الفترة واحد من الامكنة التى كان يرغب فى
زيارتها ولم يستطع ...مثلا جزر المالديف ...امريكا الجنوبية , قبرص
مالطا ...ولكن هذا غير متيسر فعليه زيارة بناته اولا ثم انه لابد ان يتواجد فى
مصر فلعل هنك شىء سيتعسر عليه فهمه فيضطر الى لقاء رحال فليست كل
الامور تحل بالتليفون ....فى اثناء التفكير تذكر اسم شخص كان مكتوبا فى
النعى ...كمال خلف الله ....لا ليس تشابه اسماء ...اللواء كمال خلف الله , اذا
فالمكان الذى سابدأ فيه بالاطلاع على الاوراق لابد ان يكون الاسكندرية !
وليس فى شاليه الساحل الشمالى ولكن عند ماريا ...هو يعلم ان ماريا قد
توفيت ولكن انجيلا ابنتها ورثت المكان وتزوجت من شكرى, المصرى
وهما يديران المكان الان بنجاح...
لم ياتى الى الاسكندرية – كمدينة - منذ زمن طويل .....اصبح الساحل
الشمالى هو مايذهب اليه المصريون للتصييف....عليه اذا ان يتصل بانجيلا
فمن
يدرى لعلها الغت النشاط كله ...اتصل بالرقم الذى يحتفظ به لاكثر من
خمس
سنوات ....ردت عليه انجيلا , لم يتغير صوتها على الاطلاق
-
آلو
-
نعم
-
انجيلا , انا ايمن بكير ..
-
حبيبى , اخيرا تذكرتنى ؟\
-
لا يمكن ان انساك او انسى ماريا
باى حال من الاحوال ...كيف حال شكرى ؟ بخير ؟
-
نعم
-
المهم ...ارجو ان تحجزى لى
عندك...مدة لا تقل عن اسبوعين ...
-
لابد ان هناك رواية جديدة ...
-
مش بالظبط ...هل انت مستعدة ؟
-
يمكنك ان تحضر من الغد ...لدى غرقة
ممتازة على البحر ...
-
ممتاز , ساصل بعد باكر باذن الله
..
فى اليوم المحدد وصل الى الاسكندرية راكبا سيارته, دخل المدينة وقد نوى
ان يزور اصدقاء لم يراهم من فترة طويلة ....كانت جلسته معهم حميمية
وممتعة بالرغم من انشغال باله بالاوراق التى يحملها ...راوده احساس قصير
بالندم لأنه قبل ان يأخذ الاوراق من الفتاة السمراء و احس برغبة شديدة فى
ان يتصل بها و يعتذر لها باى سبب من الاسباب ويدعوها لتأتى وتأخذ
اوراقها ...ترك اصدقائه وتوجه الى محطة الرمل...باعجوبة استطاع ان يعثر
على
مكان يركن فيه السيارة ...سار حوالى مائة متر ليصل الى الفندق
الصغير
فى احدى عمارات شارع سعد زغلول ...صعد الى الدور الثالث
وكانت الساعة تقترب من السابعة مساءا ...انبعث اللون الازرق الذى طالما
كان
يميز بنسيون ماريا ...تسلل ليجد انجيلا جالسة على كرسيها الهزاز تقرأ
فى صمت ...اعاد المشهد اليه ذكرى ماريا واضفى الى الموقف كله غموضا
مستحبا ولمسة رومانسية جميلة : روائى معتزل يختلى بنفسه فى مكان له فيه
ذكريات جميلة ومعه اوراق غامضة ودوسيهات تحمل بين ضفتيها قصة
تفوح
منها رائحة الاثارة والتشويق ...
رحبت به
انجيلا ترحيبا لم يتوقعه..
-
اين شكرى ؟
- ذهب لشراء طلبات يحتاجها المكان ...انت تعرفه لا يثق باحد!!
امسكت انجيلا بجرس صغير وقرعته فحضر خادم اسمر متوسط العمر ,اخذ
حقيبة ايمن , بينما اختفت انجيلا لاعداد فنجان قهوة للنزيل الجديد..
جلسا فى البهو الصغير يحتسيان القهوة ...اشعلت انجيلا سيجارتها الرفيعة
وقدمت اخرى لايمن فرفض قائلا :
- امتنعت عن التدخين , مكره اخاك لا بطل ....اوامر الاطباء ...
حاولت انجيلا ان تعرف من ايمن سبب قدومه.....رواية جديدة ام هروب ,
هرب هو
من الاجابة وقال : مفترق طرق ...احتاج ان اكون وحيدا ...
لم يات
شكرى فقرر ايمن ان يدخل غرفته...
-
افطارك المعتاد يا ايمن بك ؟
-
لا طبعا كفاية فنجان القهوة وممكن
قطعة توست والقليل من المربى ...منعنى
ولاد
اللذينا من البيض بالزبدة او حتى بدونها !!!
- شعر ايمن بالهدوء والسكينة عندما دخل غرفته ووجدها مرتبة ونظيفة ودافئة
كما شعر بالاطمئنان عندما اتصل بابنتيه ووجدهما بخير وطمانتاه على
والدتهما
...
قرر ان يكون اليوم اجازة , سيكتفى بمشاهدة التليفزيون ....انجيلا تسير على
مدرسة امها ...لا تليفزيونات فى الغرف ....ولكن هذه الغرفة مخصصة
لايمن
....استثناء ...
قلب فى المحطات ولم يجد شيئا يستحق ....كان عنده حق اذا عندما قرر
الاعتزال ...هناك حالة من الملل والاحباط تسيطر على المصريين , فلمن
يكتب ؟ ولكن لماذا اخذ الاوراق من رحال ...هل لان يموت الزمار وصباعه
بيلعب ؟
ان لديه قدرة فائقة على كتابة رواية سلسة وقوية ...وقد حققت روايته الاولى
نجاحا غريبا ...نشر بعدها روايتين اثنى عليهما النقاد ولكنهما لم تحققا مثل
نجاح الاولى , لم يهتم ايمن بذلك اولا لانه يكتب من اجل المتعة ويكتب لأن
لديه شىء يقوله , كما انه لا يكتب من اجل المال فعمله فى المنظمة الدولية
يتيح له
دخلا ممتازا .....انها الهواية اذا , لم يستطع ان يشعر ان وراء رحال
قصة غامضة ثم يتردد فى اخذ الاوراق منها !!
لا مفر , لن يأتى النوم اليوم بسهولة بالرغم من ان اليوم كان طويلا ومرهقا
اندس فى فراشه وادار محطة الناشيونال جيوجرافيك الاماراتية , اضاء
الاباجورة وسحب حقيبة رحال ووضعها بجواره على السرير , فتح الحقيبة
واخذ صورة والد رحال المفترض وهو مع اخوته وراح يقارن فعلا بين لون
بشرة رحال ولون بشرته ثم تامل الصورة الاخرى الملونة ...لاشك ان هشام
به شبه كبير من اخوته ولكن فقط لون البشرة مختلف ....قرر ان يبحث فى
صور اخرى ...فتح المظروف الاصفر الكبير والمكتوب عليه بالانجليزية "
صور هامة " وجد صورة تضم والد هشام وهشام واخ له ...لم يكن والد
هشام
داكن لون البشرة كما توقع ايمن , والاغرب ان فى صورة اخرى
مكتوب
على ظهرها ماما وهانى , تبدو والدة هشام بيضاء البشرة بوضوح ,
اذا فالاب اسمر سمرة عادية والام بيضاء فلماذا جاء هشام متفردا فى لون
بشرته ؟ احس ايمن انه قد بدأ يسير فى طريق التفاهة : ام بيضاء واب اسمر
عادى ؟ مادخل هذا فى رواية اكتبها ؟ ولكنه تذكر ان رحال هى التى اشارت
الى هذه
الملحوظة فلابد ان لها دخل بالموضوع ...
وضع يده داخل الحقيبة فالتقطت يده مظروفا اخر ممتلئا بخطابات كثيرة
بعضها مكتوب بلغة انجليزية ركيكة مرسلة من هشام الى اشخاص كثيرين
والبعض الاخر مكتوب بلغة انجليزية معقولة ومرسل من ماريللا ام رحال
الى هشام كما توجد خطابات مرسلة الى هشام من اصدقائه واخوته ومعظمها
مكتوب باللغة العامية ...
تعب ايمن من التفتيش فى الحقيبة وكان قد حاول قراءة خطابات ماريللا الى
هشام ولم يفلح ربما بسبب الاضاءة الضعيفة وربما بسبب حاجته لنظارة
قراءة اقوى من التى معه فالخطابات قديمة وورقها بدأ يبلى ...
ادرك ايمن ان مهمته صعبة للغاية , فمن اين يبدأ , اين يكمن الحدث الذى هو
اساس
الرواية ....لابد ان هناك شىء داخل هذه الحقيبة يدل على هذا الحدث
من اين يبدا طرف الخيط , اذا لم يجده فلابد ان يتصل برحال لتساعده ...عاد
الى صفحة الوفيات وراح يفند اسماء افراد عائلة الام و مناصبهم ,غير اسم
اللواء كمال خلف الله ...هو يعرف اللواء كمال , اكيد هو, واحد من رجال
الصف الثانى او الثالث من الظباط الاحرار , انه يتذكر اسمه جيدا لانه ايمن
ايام حكم السادات كان يعمل فى الصحافة متدربا وفى هذا الوقت فى اواخر
السبعينات كانت هناك حملات شرسة على جمال عبد الناصر وربما على
ثورة يوليو ككل وكثيرا ما كانت هذه الحملات تتناول الذمة المالية والحياة
الخاصة لرجال تبوأوا مناصب عليا فى البلد وكان كمال واحد من هؤلاء
...لذا فعندما تعرف على الاسم فى النعى ادرك بحاسته الروائية والصحفية
اهمية وجود اسم رجل مثل كمال فى الخلفية وكان هذا هو سبب اختيار
الاسكندرية وبنسيون ماريا كمنفى اختيارى ...باختصار لان شكرى زوج
انجيلا والذى يكبره ببضع سنوات , سليل عائلة اقطاعية عريقة وبينه وبين
ثورة يوليو ورجالها ما صنع الحداد ....تفتتت املاك اسرته واممت مصانعها
وامتلأ
قلب والد شكرى وشكرى من بعده حقدا وكراهية على عبد الناصر
ورجاله وثورته ...وقد نشا شكرى فى هذا الجو.. وحتى هذه اللحظة هو يعتبر
مرجعا موثوق به لتاريخ حياة الظباط الاحرار من الصف الاول وحتى
الصف الاخير ....الم يكن من الحكمة اذا اختيار بنسيون ماريا ؟؟؟
000000000000000000000000000000000000000
تناول ايمن افطاره فى الصباح بشهية
مفتوحة ..احساسه بأن ورائه شىء هام
مقهى تريانون فقد كان على موعد مع شكرى ....هذا مكانه المفضل من سنين
-
النسكافيه المركز يا ايمن بك ؟
-
لا يا عم بطلنا خلاص ادينى واحد شاى بالنعناع...حاجة
كدة على قدى ..
- عجزت يا ابو ايمن ...يابنى انا اكبر منك ولسة فى الرمق بالرغم من اللى
شفته
- ايوة ...بمناسبة اللى شفته ....انا جاى عشان كدة , تفتكر واحد من الجماعة
بتوعك اسمه كمال خلف الله ؟
ضحك شكرى وقال :
- قصدك من اللى ما يتسموش مش كدة ؟ ايوة يا سيدى فاكره كويس هو كان
تقريبا كدة فى البوليس الحربى ويمكن قبلها فى الحرس الملكى وكمان كان له
قريب او نسيب مميز عنه واتحسب عليه , لكن اللى فاكره كويس انه كان له
صلة من قريب او بعيد بمسالة جرد القصور الملكية وجايز والله اعلم كان له
علاقة بمجوهرات العائلة المالكة
...انت بتسال ليه ؟
-
معلهش , خدنى على اد عقلى , تعرف ايه كمان؟
-
ما قلته لك غير مؤكد ولكن انت تعرف " مفيش دخان
من غير نار " فى
مصر ....عموما هو كان راجل غتت وكان وسيم والاهم من ذلك وهذا شىء
انا متاكد منه . انه كان متزوجا من فادية الالفى ودى عائلتها من اخر بقايا
المماليك فى مصر وعشان كده تلاقى جمالها من نوع مميز وامتد هذا الجمال
الى بناتها , ما شاء الله ملكات جمال و افتكر كمان كان له ولد حيلة , يعمل
فى البيزنس الان ...متهيأ لى كمال
مات مش كدة ؟
-
لا ...
-
اه ....دانت متابعه ؟
-
يعنى ..
- الغريبة يا اخى انه طفس...مراته بالحلاوة دى انما اتجوز عليها فى الاخر..
انما انت بتسأل ليه ؟ رواية جديدة ؟ انا زعلان منك , فى الرواية اللى فاتت
مجدت صاحبك وتقريبا مسحت الارض بالسادات ...
-
والنبى ما حصل ...كله كان على لسان البطل ....هناك
فرق , جمال له ما له
وعليه ما عليه وكذلك السادات ...
- ماشى يا سيدى ماهو دى حيلة الروائيين , يقولوا اللى يقولوه ويقولوا ده راى
الشخصية !! على العموم لو كانت رواية فتوخى الحذر قدر الامكان , اى
واحد الان يقدر يرفع عليك قضية ويقول ده تشهير ...
-
لا مش للدرجة دى ...هو فقط قد يكون طرف فى موضوع ما
...وبالمناسبة
هل تتذكر ان كمال كان له نسيب برضه فى الجيش ...اسمه
هاشم كامل ؟
- ايوة ايوة دلوقت افتكرت ولكنى لا اتذكر بالظبط هل كان من الاحرار ثم
اختلف معهم ام انه لم ينضم اساسا , المهم ان هناك خلاف كبير بينه وبين
كمال لا اظنه خلافا عائليا على اى حال ...وكان على ما اظن برضه ان
هاشم كامل خدم فترة غير قصيرة فى
السودان....ولكن ما اتذكره هو ان...
-
ماذا قلت ؟ خدم فى السودان ؟
-
نعم نعم ...المهم ان هناك خلاف ما لا احد يعرف سببه
بين الرجل ونسيبه..
- ممتاز دى معلومات مش بطالة لكن اكيد اكيد حاحتاجلك يا شكرى الظاهر ان
موضوعنا له جذور ستينية ناصرية ساداتية ولا يفتى ومالك فى المدينة !!
لكن انت اخبارك ايه ؟
- لا شىء , لولا وجود بعض الاصدقاء حولى ولعب الطاولة فى قهوة البورصة
كل يوم خميس كان الواحد طق من
الزهق , لكن الحمدلله على كل شىء
انجيلا بنت حلال والولد والبنت وامهم مستريحين برة ...الحمد لله .. وطبعا
انت تعرف اننى كنت انوى ان اكتب كتابا واحكى فيه كل حاجة , فقط من
اجل ان يعرف الناس كيف كانوا
يحكمون..
-
وما الذى حدث ؟
-
كسل , مجرد كسل , شجعنى انت وانا انطلق !!
000000000000000000000000000000000