القى ايمن بجسده متثاقلا على
الفراش واضاء الاباجورة ومن جديد فتح
الحقيبة واخرج كل ما فيها ووضعه على السرير ليسهل هلى نفسه البحث عما
يريد ...انه يريد ان يعرف الحدث الاهم او المشهد الرئيس الذى ربما يكون
وسط هذه الاوراق والذى من اجله تظن رحال ان القصة تستحق ان تكتب ..
اخذ مظروفا يحتوى على بعض قصاصات الصحف ...هنا صفحة من جريدة
مكتوب فيها بالخط الاحمر الكبير : المجزرة ...ضربت السياحة فى مقتل
نظر ايمن الى التاريخ المكتوب وزم شفتيه ... وهذه قصاصة اخرى من نفس
الجريدة ولكن بتاريخ 2 اغسطس 1990 صدام يغزو الكويت والامير فر الى
السعودية ....كان هذان العنوانان هما اكثر ما لفت نظر ايمن وباقى
القصاصات تحتوى على اخبار تقليدية ومفتطفات من صفحات الحوادث , الا
انه كانت هناك صفحة كاملة فى مظروف وحدها ومكتوب ببنط اسود كبير :
هل كان الشيطان متواجدا فى هذه الليلة ؟ راح ايمن يقرأ باهتمام التحقيق الذى
كتبه صحفى يتذكر هو اسمه جيدا ...
فتح مظروف الصور و راح يقلب فيه وجد صورة لرحال وهى مراهقة
ومعها رجل اسمر قوى البنية له شعر مجعد و ويضع يده على كتف رحال
ومكتوب على ظهر الصورة : رحال - رافيندو 2005...من هذا الرافيندو ؟
سؤال جال بخاطر ايمن لثوان ثم وجد صورة اخرى لرحال مع سيدة جميلة
ومكتوب على الظهر رحال - ماريللا 2005 , تأمل فى الصورة واكتشف
ان جمال رحال – وهى جميلة بالفعل – لا يرقى باى حال من الاحوال الى
جمال ماريللا فهل هذا من تاثيرجينات هشام الذى يعتبر مقبول الشكل فقط ؟
...اكتفى بهذا القدر من البحث واطفأ الاباجورة وحاول ان يستدعى النوم !
0000000000000000000000000000000000000000
- رحال ؟
- نعم ؟
- معك ايمن بكير ..
- - لم اتوقع ان تتصل بى بهذه السرعة , هل انتهيت من فحص كل الاوراق ؟
- لا ...مازلت فى البداية , ولكنى اردت الا اضيع الوقت واسألك من اين أبدا ؟
- الحق اننى بالفعل محتارة مثلك من اين نبدأ وان كنت ارى ان روائى عظيم
مثلك لابد وانه سيعرف من اين يبدأ ...ولكنى ساسهل عليك الامر ...هل
تعرف مستشفى بالقاهرة اسمها " دهشان " ؟
- نعم , انها مستشفى للامراض النفسية ...
- بالظبط ...هشام يقيم هناك الان حاليا ولكن حالته مستقرة ويقابل الناس , فاذا
كان لديك بعض الوقت فيمكنك ان تقابله وتخبره بانك من اصدقائى وانك قد
جئت من طرفى للاطمئنان على صحته قبل ان اسافر انا الى هولندا ....سيبدا
هو فى الكلام على الفور ومن خلال الحديث معه ستعرف الكثير بل وربما
ستصل للخلاصة وتعرف من اين تبدأ ؟
ضحك ايمن وقال :
- انسة رحال انت تصعبين على الامر ...ظننت انك ستساعدينى ...
- صدقنى الامر يستحق ...وانت لن تخسر شيئا وفى اى وقت يمكنك الانسحاب
ترد الى حقيبتى وكان شيئا لم يكن ...
- حاضر ...ولكن ارجوكى الا تسافرى قبل ان تخبرينى قبلها بوقت كاف ..
- او كى ...
0000000000000000000000000000000
لم يكن هناك بد من العودة للقاهرة لمقابلة هشام ... يعرف ايمن ان الامر ليس
سهلا فكيف يتحدث الى رجل غريب ومريض نفسى ولا يعرف طبيعة
مرضه ...كيف يمكن ان تكون بداية الحديث وماذا يمكن ان يكون رد فعله ؟
اخبر انجيلا بأنه سيسافر الى القاهرة بالقطار ليوم او يومين على الاكثر
...ترك كل شىء كما هو ...الحقيبة وحقيبة الملابس , ركب القطار وهو
يضحك من نفسه ...كيف استطاعت شابة صغيرة ان تورطه فى هذه المغامرة
كيف استطاعت ان تجعله يعمل كمخبر او محقق او باحث ...لم يكتب فى
حياته رواية اعتمادا على معلومات حقيقية وانما رواياته مزيد من الحقيقة
والخيال ...ولكن لا باس , هو فى مفترق طرق ومن يدرى ربما تجىء هذه
المغامرة وتخرجه من حالة الجمود التى يعيشها فى القاهرة ....
لم يكن من الصعب الوصول الى المصحة الكائنة فى مدينة نصر ...سأل عن
هشام فدلوه عليه ...وجده فى القاعة الكبيرة , رجل فى منتصف الخمسينات
من عمره , اسمر البشرة بوضوح, قوى البنية , لم تغزو الجيوش البضاء
شعره الاسود المجعد بعد ....يجلس على كنبة من الجلد وحده ينظر امامه
وفمه يرسم ابتسامة ساخرة وبيده كوب كبير من القهوة بدون لبن ...اقترب
ايمن منه بحذر وقال :
- استاذ هشام ؟
- مين ؟
- ايمن بكير ...صديق للانسة رحال ...
نظر هشام اليه بتمعن ثم قال :
- رحال ؟ الست كبيرا على ان تكون صديقا لها ؟
- لا ...انا باحث , واحيانا استعين بها فى بعض اعمالى ...هى على وشك
السفر واوصتنى ان اطمئن عليك قبل ان تسافر , تريد رأيا اخر ...
- واطمانيت ؟
- اراك بخير والحمد لله ...
- لست بخير ...انا مجنون رسمى , الم تقل لك هذا ؟
- اطلاقا ...
- اسمع يا استاذ ، انا لا اصدق قصة انك باحث وانها تساعدك ، انا لا اعرف
من انت ولا لماذا جئت ولا يهمنى ان اعرف ...كل ما اعرفه ان رحال فى
حيرة ، ولها حق ، ولكن انا حكيت لها كل شىء وعليها ان تصدقنى ، فاذا لم
تفعل فعليها بالحل الاخر وهو سهل ولكنى متاكد انها تريد ان تعرف منى
مرة اخرى فربما حكيت رواية جديدة لشخص اخر ...
- جايز فلم لا تحكى لى الان ؟
- الحكاية باختصار وبدون لف او دوران ....استغرق اعتراف هشام حوالى
- الربع ساعة ...لم يصدق ايمن نفسه ...القصة بالفعل تستحق العناء سواء تبنى
رواية هشام او رواية ماريللا كما قصها هشام ...الواقعة مثيرة جدا بل
وصادمة ولكن التفاصيل , اراد ان يعرف من هشام شىء من التفاصيل , او
المقدمات ..الا ان الرجل دخل بعد اعترافه فى حالة غريبة من الهيجان وبدأ
يصيح فاتجهت اليه الممرضات ونادين التامورجى ليسحبه الى غرفته والكل
يوجه نظرة لوم قاسية الى ايمن ....
0000000000000000000000000000000000000
لم يطق هشام صبرا ...عاد الى الاسكندرية فى نفس اليوم , وفى غرفته صنع لنفسه
كوبا من القهوة وارتدى بيجامته وفتح حقيبة رحال واخرج ما فيها واهتم ان يصنف
كل ما يخرجه , الصور وحدها وقصاصات الجرايد وحدها ...لم يستطع ان ينام
قبل السادسة صباحا , اشتركت حالة الاهتمام الزائد مع تاثير القهوة فى ان يجعلا
من عقله ورشة عمل لا تهدأ ...
فى العاشرة صباحا كان يجلس على نفس المائدة فى تريانون و معه اللاب توب
وكراسة صغيرة يحتسى قهوته ويتناول قطعة الكرواسون ....لم يعد امامه الا ان
يقابل ثلاث شخصيات وجد عناوينهم واضحة على مظاريف خطابات ارسلوها الى
هشام ...الاول اسمه كيفورك ويسكن فى مصر الجديدة و الثانية نجوى خلف الله
وتسكن فى المهندسين اما الثالث فهو الدكتور عادل امين السبكى ويسكن فى مصر
الجديدة ايضا ...حتى لو انهم قد غيروا اماكن اقامتهم فمن الممكن الاستدلال من
العناوين المكتوبة ....استعان بسائقه وسكرتيره وكاتم اسراره , ابراهيم الدسوقى
اتصل به واملاه الاسماء واعطاه مهلة ثلاثة ايام لاتمام مهمة البحث عن الفرسان
الثلاثة الذى يظن - من الاطلاع على الاوراق- انهم يملكون مفاتيح شخصية
واسرار حياة هشام ....فنجوى خلف الله – كما استنتج من الاسم – ومن تفاصيل
وردت فى احدى الرسالات هى ابنة خاله ولكنه لا يعرف بالظبط تفاصيل العلاقة
بينهما ...هل هى علاقة قرابة فقط ...ام صداقة حميمة ام اكثر من ذلك ؟ اما
كيفورك والذى قد يكون ارمينيا فهو شخص يسكن قريبا من هشام وعلاقة الصداقة
المتينة تبدو واضحة من نبرة الخطابات بينهما والدكتور عادل يبدو ايضا صديق
الا ان هناك الكثير من التحفظ بينهما كما هو واضح من الرسالتين الوحيدتين
المتبادلتين بينهما .
عاد من تريانون فوجد شكرى يدخن سيجارة فى هدوء, ابتسم له وقال :
- خفت ان تكون زهقت وعدت الى القاهرة !!
- انا ذهبت بالفعل الى القاهرة لاتمام مهمة ولكنى عدت متأخرا فى نفس اليوم
...لا يمكن ان ارحل بدون ان اخبرك ...
- استطيع ان اخمن ان امامك عمل كبير تريد ان تنجزه ...
- استطيع انا الان ان اقول ان بالفعل امامى عمل كبير و ربما لن استطيع ان
انجزه بسهولة ...
- اذا اردت اى مساعدة فانا موجود...
- انت بالفعل امددتنى بعامود من الاعمدة الاساسية التى سأبنى عليها الرواية
ومن المؤكد اننى ساحتاج اليك مرات ومرات فانت مرجع لهذه الفترة ولهؤلاء
الناس ...
- ماشى ..تلعب شطرنج بالليل ؟
مرت ثلاثة ايام وايمن لا يكاد يبرح غرفته الا وقت الغذاء حين يذهب الى
المطعم القريب فى محطة الرمل او فى تريانون لتناول القهوة ومحاولة الكتابة
واحيانا للعب دور او دورين شطرنج مع شكرى ,لا يركز اثناء اللعب فيهزمه
شكرى وتنتفخ اوداجه فخرا فيبدأ حكاياته الطويلة عن الفترة الحالكة فى حياته
اواخر الخمسينات والستينات والتى لا يكل ولا يمل سرد تفاصيلها بمرارة
لاذعة ...استطاع ايمن خلال الثلاثة ايام ان يضع حجر الاساس لروايته او
لرؤيته لحياة هشام كامل طبقا لما استشفه من الاوراق مع استخدام للخيال
المبدع الذى يملك منه الكثير , لم يعد امامه الا لقاء الفرسان الثلاثة , كيفورك
او كيكو ونجوى وعادل ...استاذن من انجيلا وشكرى فى التغيب لفترة
قصيرة مع الاحتفاظ بالغرفة وما فيها كماهى ...
قال شكرى : لا.. انت هربت من هزائمك المتتالية فى الشطرنج !!
- ابدا ....سأعود لانتقم ...يومين او ثلاثة بالكثير ...
فى القاهرة اتصل بنجوى اولا على الرقم الارضى الذى توصل اليه الدسوقى
باعجوبة ...
- مدام نجوى ؟ مع حضرتك ايمن بكير ...
- الروائى الكبير ؟
- الروائى وخلاص ...
- لا ازاى ...انا قرأت لك وتعجبنى رواياتك ...
- اشكرك ...اريد ان اقابلك لامر هام ..
- خير ...اقدر اعرف السبب ؟
- خير ان شاء الله ...يتعلق الامر بهشام كامل ...انا صديق لرحال ..
سكتت نجوى لثوانى ثم قالت :
- اذا ...نتقابل فى بوتيك صدفة فى الزمالك هذا محلى ....ممكن ؟
- ممكن وانا اعرف هذا البوتيك ....غدا فى السابعة مساءا ؟
- اوكى
فى الموعد المحدد دخل ايمن البوتيك ...وجد نجوى سيدة بيضاء فى اواخر
الخمسينات ذات سمنة واضحة وبشرة بيضاء ووجه جميل رائق واناقة
واضحة ...رحبت به ثم قالت :
- خير يا ايمن بك , منذ الامس وانا اضرب اخماسا فى اسداس ، ماذا يريد منى
روائى معروف....صحيح انا كنت صحفية ومترجمة وكانت لى محاولات
روائية وشعرية لها قيمة ولكنى اعتزلت كل هذا ...الفضول يقتلنى !!
- ابدا ، انا صديق لرحال ، وبيننا عمل مشترك وحكت لى عن والدها وتريد
لعقلها ان يستريح من بعض التساؤلات ...
اشعلت نجوى سيجارة وقدمت واحدة لايمن فاعتذر بنفس الاسلوب , قالت :
- الحقيقة انا حزينة لما حدث لهشام ,هل جئتنى لانك علمت اننى كنت صديقة له ؟
- بالظبط ...
- نعم ...هذا صحيح كانت علاقتنا متينة جدا ,ومنذ الطفولة ,وكان كل شىء
معه يبشر بالخير ...هشام قصصه كثيرة وكنت اعرف الكثير منها الى تاريخ
معين بعد ذلك لا اعرف ماذا حدث له وربما الكثيرون ايضا لا يعرفون
مجرد تخمينات ...اسمع يا ايمن بك , انت تريد ان تكتب رواية ...ماشى
ولكنى احذرك من الخوض فى بعض التفاصيل التى قد تمس عائلتنا ...هذا
غير مقبول , ولكنى اعرف انكم معشر الروائيين لن تعدموا وسيلة لخلط
الواقع بالخيال ...خلطة سحرية تمتلكون ادواتها باقتدار ....وضحكت عاليا ...
- قد يدفعنى فضول الروائى بالفعل لمحاولة الكتابة ولكن فى المقام الاول اريد
مساعدة رحال ...لا تنسى انها لا تعلم شيئا عن رجل قالوا لها انه ابوها !!
راحت نجوى تروى بعبارات قوية وواضحة وموجزة علاقتها بابن عمتها
هشام ومن حين لاخر تذكر بعض الملاحظات عن شخصية هشام وظروف
تربيته ونشاته وايمن يستمع فى هدوء ويستغرب عفوية وجرأة نجوى فى
السرد ....وفجأة توقفت ونظرت الى ايمن وهى تبتسم وقالت : اسمع يا ايمن بك ...انا ساعطيك كنزا ...ساعطيك مذكراتى الوردية، لم يطلع عليها مخلوق سواى ...اعلم انك لن تسىء استغلالها وانها ستفيدك جدا وبالمرة تقول لى رايك فى الاسلوب فقد افكر يوما فى الكتابة ...وطبعا ستعيدها الى بمجرد الانتهاء ...
انا شاكر جدا على هذه الثقة ...اكيد هو كنز ....
ولكنى اذكرك مرة اخرى ...اسم العائلة وخصوصياتها ...
الحقيبة واخرج كل ما فيها ووضعه على السرير ليسهل هلى نفسه البحث عما
يريد ...انه يريد ان يعرف الحدث الاهم او المشهد الرئيس الذى ربما يكون
وسط هذه الاوراق والذى من اجله تظن رحال ان القصة تستحق ان تكتب ..
اخذ مظروفا يحتوى على بعض قصاصات الصحف ...هنا صفحة من جريدة
مكتوب فيها بالخط الاحمر الكبير : المجزرة ...ضربت السياحة فى مقتل
نظر ايمن الى التاريخ المكتوب وزم شفتيه ... وهذه قصاصة اخرى من نفس
الجريدة ولكن بتاريخ 2 اغسطس 1990 صدام يغزو الكويت والامير فر الى
السعودية ....كان هذان العنوانان هما اكثر ما لفت نظر ايمن وباقى
القصاصات تحتوى على اخبار تقليدية ومفتطفات من صفحات الحوادث , الا
انه كانت هناك صفحة كاملة فى مظروف وحدها ومكتوب ببنط اسود كبير :
هل كان الشيطان متواجدا فى هذه الليلة ؟ راح ايمن يقرأ باهتمام التحقيق الذى
كتبه صحفى يتذكر هو اسمه جيدا ...
فتح مظروف الصور و راح يقلب فيه وجد صورة لرحال وهى مراهقة
ومعها رجل اسمر قوى البنية له شعر مجعد و ويضع يده على كتف رحال
ومكتوب على ظهر الصورة : رحال - رافيندو 2005...من هذا الرافيندو ؟
سؤال جال بخاطر ايمن لثوان ثم وجد صورة اخرى لرحال مع سيدة جميلة
ومكتوب على الظهر رحال - ماريللا 2005 , تأمل فى الصورة واكتشف
ان جمال رحال – وهى جميلة بالفعل – لا يرقى باى حال من الاحوال الى
جمال ماريللا فهل هذا من تاثيرجينات هشام الذى يعتبر مقبول الشكل فقط ؟
...اكتفى بهذا القدر من البحث واطفأ الاباجورة وحاول ان يستدعى النوم !
0000000000000000000000000000000000000000
- رحال ؟
- نعم ؟
- معك ايمن بكير ..
- - لم اتوقع ان تتصل بى بهذه السرعة , هل انتهيت من فحص كل الاوراق ؟
- لا ...مازلت فى البداية , ولكنى اردت الا اضيع الوقت واسألك من اين أبدا ؟
- الحق اننى بالفعل محتارة مثلك من اين نبدأ وان كنت ارى ان روائى عظيم
مثلك لابد وانه سيعرف من اين يبدأ ...ولكنى ساسهل عليك الامر ...هل
تعرف مستشفى بالقاهرة اسمها " دهشان " ؟
- نعم , انها مستشفى للامراض النفسية ...
- بالظبط ...هشام يقيم هناك الان حاليا ولكن حالته مستقرة ويقابل الناس , فاذا
كان لديك بعض الوقت فيمكنك ان تقابله وتخبره بانك من اصدقائى وانك قد
جئت من طرفى للاطمئنان على صحته قبل ان اسافر انا الى هولندا ....سيبدا
هو فى الكلام على الفور ومن خلال الحديث معه ستعرف الكثير بل وربما
ستصل للخلاصة وتعرف من اين تبدأ ؟
ضحك ايمن وقال :
- انسة رحال انت تصعبين على الامر ...ظننت انك ستساعدينى ...
- صدقنى الامر يستحق ...وانت لن تخسر شيئا وفى اى وقت يمكنك الانسحاب
ترد الى حقيبتى وكان شيئا لم يكن ...
- حاضر ...ولكن ارجوكى الا تسافرى قبل ان تخبرينى قبلها بوقت كاف ..
- او كى ...
0000000000000000000000000000000
لم يكن هناك بد من العودة للقاهرة لمقابلة هشام ... يعرف ايمن ان الامر ليس
سهلا فكيف يتحدث الى رجل غريب ومريض نفسى ولا يعرف طبيعة
مرضه ...كيف يمكن ان تكون بداية الحديث وماذا يمكن ان يكون رد فعله ؟
اخبر انجيلا بأنه سيسافر الى القاهرة بالقطار ليوم او يومين على الاكثر
...ترك كل شىء كما هو ...الحقيبة وحقيبة الملابس , ركب القطار وهو
يضحك من نفسه ...كيف استطاعت شابة صغيرة ان تورطه فى هذه المغامرة
كيف استطاعت ان تجعله يعمل كمخبر او محقق او باحث ...لم يكتب فى
حياته رواية اعتمادا على معلومات حقيقية وانما رواياته مزيد من الحقيقة
والخيال ...ولكن لا باس , هو فى مفترق طرق ومن يدرى ربما تجىء هذه
المغامرة وتخرجه من حالة الجمود التى يعيشها فى القاهرة ....
لم يكن من الصعب الوصول الى المصحة الكائنة فى مدينة نصر ...سأل عن
هشام فدلوه عليه ...وجده فى القاعة الكبيرة , رجل فى منتصف الخمسينات
من عمره , اسمر البشرة بوضوح, قوى البنية , لم تغزو الجيوش البضاء
شعره الاسود المجعد بعد ....يجلس على كنبة من الجلد وحده ينظر امامه
وفمه يرسم ابتسامة ساخرة وبيده كوب كبير من القهوة بدون لبن ...اقترب
ايمن منه بحذر وقال :
- استاذ هشام ؟
- مين ؟
- ايمن بكير ...صديق للانسة رحال ...
نظر هشام اليه بتمعن ثم قال :
- رحال ؟ الست كبيرا على ان تكون صديقا لها ؟
- لا ...انا باحث , واحيانا استعين بها فى بعض اعمالى ...هى على وشك
السفر واوصتنى ان اطمئن عليك قبل ان تسافر , تريد رأيا اخر ...
- واطمانيت ؟
- اراك بخير والحمد لله ...
- لست بخير ...انا مجنون رسمى , الم تقل لك هذا ؟
- اطلاقا ...
- اسمع يا استاذ ، انا لا اصدق قصة انك باحث وانها تساعدك ، انا لا اعرف
من انت ولا لماذا جئت ولا يهمنى ان اعرف ...كل ما اعرفه ان رحال فى
حيرة ، ولها حق ، ولكن انا حكيت لها كل شىء وعليها ان تصدقنى ، فاذا لم
تفعل فعليها بالحل الاخر وهو سهل ولكنى متاكد انها تريد ان تعرف منى
مرة اخرى فربما حكيت رواية جديدة لشخص اخر ...
- جايز فلم لا تحكى لى الان ؟
- الحكاية باختصار وبدون لف او دوران ....استغرق اعتراف هشام حوالى
- الربع ساعة ...لم يصدق ايمن نفسه ...القصة بالفعل تستحق العناء سواء تبنى
رواية هشام او رواية ماريللا كما قصها هشام ...الواقعة مثيرة جدا بل
وصادمة ولكن التفاصيل , اراد ان يعرف من هشام شىء من التفاصيل , او
المقدمات ..الا ان الرجل دخل بعد اعترافه فى حالة غريبة من الهيجان وبدأ
يصيح فاتجهت اليه الممرضات ونادين التامورجى ليسحبه الى غرفته والكل
يوجه نظرة لوم قاسية الى ايمن ....
0000000000000000000000000000000000000
لم يطق هشام صبرا ...عاد الى الاسكندرية فى نفس اليوم , وفى غرفته صنع لنفسه
كوبا من القهوة وارتدى بيجامته وفتح حقيبة رحال واخرج ما فيها واهتم ان يصنف
كل ما يخرجه , الصور وحدها وقصاصات الجرايد وحدها ...لم يستطع ان ينام
قبل السادسة صباحا , اشتركت حالة الاهتمام الزائد مع تاثير القهوة فى ان يجعلا
من عقله ورشة عمل لا تهدأ ...
فى العاشرة صباحا كان يجلس على نفس المائدة فى تريانون و معه اللاب توب
وكراسة صغيرة يحتسى قهوته ويتناول قطعة الكرواسون ....لم يعد امامه الا ان
يقابل ثلاث شخصيات وجد عناوينهم واضحة على مظاريف خطابات ارسلوها الى
هشام ...الاول اسمه كيفورك ويسكن فى مصر الجديدة و الثانية نجوى خلف الله
وتسكن فى المهندسين اما الثالث فهو الدكتور عادل امين السبكى ويسكن فى مصر
الجديدة ايضا ...حتى لو انهم قد غيروا اماكن اقامتهم فمن الممكن الاستدلال من
العناوين المكتوبة ....استعان بسائقه وسكرتيره وكاتم اسراره , ابراهيم الدسوقى
اتصل به واملاه الاسماء واعطاه مهلة ثلاثة ايام لاتمام مهمة البحث عن الفرسان
الثلاثة الذى يظن - من الاطلاع على الاوراق- انهم يملكون مفاتيح شخصية
واسرار حياة هشام ....فنجوى خلف الله – كما استنتج من الاسم – ومن تفاصيل
وردت فى احدى الرسالات هى ابنة خاله ولكنه لا يعرف بالظبط تفاصيل العلاقة
بينهما ...هل هى علاقة قرابة فقط ...ام صداقة حميمة ام اكثر من ذلك ؟ اما
كيفورك والذى قد يكون ارمينيا فهو شخص يسكن قريبا من هشام وعلاقة الصداقة
المتينة تبدو واضحة من نبرة الخطابات بينهما والدكتور عادل يبدو ايضا صديق
الا ان هناك الكثير من التحفظ بينهما كما هو واضح من الرسالتين الوحيدتين
المتبادلتين بينهما .
عاد من تريانون فوجد شكرى يدخن سيجارة فى هدوء, ابتسم له وقال :
- خفت ان تكون زهقت وعدت الى القاهرة !!
- انا ذهبت بالفعل الى القاهرة لاتمام مهمة ولكنى عدت متأخرا فى نفس اليوم
...لا يمكن ان ارحل بدون ان اخبرك ...
- استطيع ان اخمن ان امامك عمل كبير تريد ان تنجزه ...
- استطيع انا الان ان اقول ان بالفعل امامى عمل كبير و ربما لن استطيع ان
انجزه بسهولة ...
- اذا اردت اى مساعدة فانا موجود...
- انت بالفعل امددتنى بعامود من الاعمدة الاساسية التى سأبنى عليها الرواية
ومن المؤكد اننى ساحتاج اليك مرات ومرات فانت مرجع لهذه الفترة ولهؤلاء
الناس ...
- ماشى ..تلعب شطرنج بالليل ؟
مرت ثلاثة ايام وايمن لا يكاد يبرح غرفته الا وقت الغذاء حين يذهب الى
المطعم القريب فى محطة الرمل او فى تريانون لتناول القهوة ومحاولة الكتابة
واحيانا للعب دور او دورين شطرنج مع شكرى ,لا يركز اثناء اللعب فيهزمه
شكرى وتنتفخ اوداجه فخرا فيبدأ حكاياته الطويلة عن الفترة الحالكة فى حياته
اواخر الخمسينات والستينات والتى لا يكل ولا يمل سرد تفاصيلها بمرارة
لاذعة ...استطاع ايمن خلال الثلاثة ايام ان يضع حجر الاساس لروايته او
لرؤيته لحياة هشام كامل طبقا لما استشفه من الاوراق مع استخدام للخيال
المبدع الذى يملك منه الكثير , لم يعد امامه الا لقاء الفرسان الثلاثة , كيفورك
او كيكو ونجوى وعادل ...استاذن من انجيلا وشكرى فى التغيب لفترة
قصيرة مع الاحتفاظ بالغرفة وما فيها كماهى ...
قال شكرى : لا.. انت هربت من هزائمك المتتالية فى الشطرنج !!
- ابدا ....سأعود لانتقم ...يومين او ثلاثة بالكثير ...
فى القاهرة اتصل بنجوى اولا على الرقم الارضى الذى توصل اليه الدسوقى
باعجوبة ...
- مدام نجوى ؟ مع حضرتك ايمن بكير ...
- الروائى الكبير ؟
- الروائى وخلاص ...
- لا ازاى ...انا قرأت لك وتعجبنى رواياتك ...
- اشكرك ...اريد ان اقابلك لامر هام ..
- خير ...اقدر اعرف السبب ؟
- خير ان شاء الله ...يتعلق الامر بهشام كامل ...انا صديق لرحال ..
سكتت نجوى لثوانى ثم قالت :
- اذا ...نتقابل فى بوتيك صدفة فى الزمالك هذا محلى ....ممكن ؟
- ممكن وانا اعرف هذا البوتيك ....غدا فى السابعة مساءا ؟
- اوكى
فى الموعد المحدد دخل ايمن البوتيك ...وجد نجوى سيدة بيضاء فى اواخر
الخمسينات ذات سمنة واضحة وبشرة بيضاء ووجه جميل رائق واناقة
واضحة ...رحبت به ثم قالت :
- خير يا ايمن بك , منذ الامس وانا اضرب اخماسا فى اسداس ، ماذا يريد منى
روائى معروف....صحيح انا كنت صحفية ومترجمة وكانت لى محاولات
روائية وشعرية لها قيمة ولكنى اعتزلت كل هذا ...الفضول يقتلنى !!
- ابدا ، انا صديق لرحال ، وبيننا عمل مشترك وحكت لى عن والدها وتريد
لعقلها ان يستريح من بعض التساؤلات ...
اشعلت نجوى سيجارة وقدمت واحدة لايمن فاعتذر بنفس الاسلوب , قالت :
- الحقيقة انا حزينة لما حدث لهشام ,هل جئتنى لانك علمت اننى كنت صديقة له ؟
- بالظبط ...
- نعم ...هذا صحيح كانت علاقتنا متينة جدا ,ومنذ الطفولة ,وكان كل شىء
معه يبشر بالخير ...هشام قصصه كثيرة وكنت اعرف الكثير منها الى تاريخ
معين بعد ذلك لا اعرف ماذا حدث له وربما الكثيرون ايضا لا يعرفون
مجرد تخمينات ...اسمع يا ايمن بك , انت تريد ان تكتب رواية ...ماشى
ولكنى احذرك من الخوض فى بعض التفاصيل التى قد تمس عائلتنا ...هذا
غير مقبول , ولكنى اعرف انكم معشر الروائيين لن تعدموا وسيلة لخلط
الواقع بالخيال ...خلطة سحرية تمتلكون ادواتها باقتدار ....وضحكت عاليا ...
- قد يدفعنى فضول الروائى بالفعل لمحاولة الكتابة ولكن فى المقام الاول اريد
مساعدة رحال ...لا تنسى انها لا تعلم شيئا عن رجل قالوا لها انه ابوها !!
راحت نجوى تروى بعبارات قوية وواضحة وموجزة علاقتها بابن عمتها
هشام ومن حين لاخر تذكر بعض الملاحظات عن شخصية هشام وظروف
تربيته ونشاته وايمن يستمع فى هدوء ويستغرب عفوية وجرأة نجوى فى
السرد ....وفجأة توقفت ونظرت الى ايمن وهى تبتسم وقالت : اسمع يا ايمن بك ...انا ساعطيك كنزا ...ساعطيك مذكراتى الوردية، لم يطلع عليها مخلوق سواى ...اعلم انك لن تسىء استغلالها وانها ستفيدك جدا وبالمرة تقول لى رايك فى الاسلوب فقد افكر يوما فى الكتابة ...وطبعا ستعيدها الى بمجرد الانتهاء ...
انا شاكر جدا على هذه الثقة ...اكيد هو كنز ....
ولكنى اذكرك مرة اخرى ...اسم العائلة وخصوصياتها ...
اطمئنى..
وعلى قدر جمال وسلاسة اللقاء بين
ايمن ونجوى , لم يكن اللقاء مع كيفورك
على نفس المستوى... اتفقا بعد تردد وعناد من كيكو على ان يلتقيا فى مطعم
معروف بمصر الجديدة يملكه كيكو ....استقبله ببرود ...جسد سمين ووجه
احمر منتفخ، يضع فى الاصبع الثانى من يده اليمنى خاتم ثمين وتميز وجهه
حسنة كبيرة على خده الايسر تذكرك بتلك التى كانت تميز وجه فؤاد باشا
سراج الدين ...جلس وراء كرسى مخصوص يسبقه كرشه ...قال بعد ان دقق
ومحص فى ايمن ...
هل انت الطبيب المعالج لهشام ؟
على نفس المستوى... اتفقا بعد تردد وعناد من كيكو على ان يلتقيا فى مطعم
معروف بمصر الجديدة يملكه كيكو ....استقبله ببرود ...جسد سمين ووجه
احمر منتفخ، يضع فى الاصبع الثانى من يده اليمنى خاتم ثمين وتميز وجهه
حسنة كبيرة على خده الايسر تذكرك بتلك التى كانت تميز وجه فؤاد باشا
سراج الدين ...جلس وراء كرسى مخصوص يسبقه كرشه ...قال بعد ان دقق
ومحص فى ايمن ...
هل انت الطبيب المعالج لهشام ؟
لا
اذاً لماذا تريدنى ان اكلمك عنه ؟
اذا كان هذا يضايقك فلا داعى له ولكنى اعتقد ان فتاة مثل رحال ابنة هشام
بحاجة لان تعرف المزيد عن رجل قد تتخذ قرارا بالعيش معه الى الابد ..
نعم ..نعم ...بلا شك , الحقيقة ان هشام أخطأ فى حياته كلها , نصحته منذ
البداية وكان احيانا يستمع الى ...ولكن احيانا كان..
بماذا تصحته ...
نصحته باشياء كثيرة , نصحته ان يقطع عرق ويسيح دم فى كثير من الامور
ولكن كانت مشكلته التردد والتأرجح وقلة الثقافة ..يبدو ان ظروفه لم تكن
تسمح الا بما قد كان ...
- هل لى فى المزيد من التفاصيل ؟
- انا يمكننى ان افعل اى شىء من اجل هشام و بالطبع من اجل ابنته ولكن هل
هذا سيفيد الان ؟...على العموم انا ساخبرك بما اعلم ...وباختصار، قد تخوننى الذاكرة ولكنى على الاقل
اتذكر الاساسيات ....
استرسل كيفوركيان بلغته العربية
السليمة تماما فى رواية حكايته مع هشام
كان وقتا قاسيا بالنسبة لايمن
...فالرجل لم يدخر جهدا لاضفاء صفات البطولة
والحكمة ورجاحة العقل على نفسه واحيانا كان يخرج من سياق الحديث
ليحكى عن نفسه وارائه فى السياسة والاجتماع والاقتصاد !
انتهى الوقت العصيب وتنفس ايمن الصعداء و هو يمد يده لكيكو مودعا وراجيا ان
يسمح له بالاصال به اذا دعت الحاجة ...قال لنفسه وهو يغادر المطعم : اسخف
رجل فى العالم !!
000000000000000000000000000000000000000
اذاً لماذا تريدنى ان اكلمك عنه ؟
اذا كان هذا يضايقك فلا داعى له ولكنى اعتقد ان فتاة مثل رحال ابنة هشام
بحاجة لان تعرف المزيد عن رجل قد تتخذ قرارا بالعيش معه الى الابد ..
نعم ..نعم ...بلا شك , الحقيقة ان هشام أخطأ فى حياته كلها , نصحته منذ
البداية وكان احيانا يستمع الى ...ولكن احيانا كان..
بماذا تصحته ...
نصحته باشياء كثيرة , نصحته ان يقطع عرق ويسيح دم فى كثير من الامور
ولكن كانت مشكلته التردد والتأرجح وقلة الثقافة ..يبدو ان ظروفه لم تكن
تسمح الا بما قد كان ...
- هل لى فى المزيد من التفاصيل ؟
- انا يمكننى ان افعل اى شىء من اجل هشام و بالطبع من اجل ابنته ولكن هل
هذا سيفيد الان ؟...على العموم انا ساخبرك بما اعلم ...وباختصار، قد
والحكمة ورجاحة العقل على نفسه واحيانا كان يخرج من سياق الحديث
ليحكى عن نفسه وارائه فى السياسة والاجتماع والاقتصاد !
انتهى الوقت العصيب وتنفس ايمن الصعداء و هو يمد يده لكيكو مودعا وراجيا ان
يسمح له بالاصال به اذا دعت الحاجة ...قال لنفسه وهو يغادر المطعم : اسخف
رجل فى العالم !!
000000000000000000000000000000000000000