حين لا يقتل الإنسان نفسه… بل يقتله الصمت من حوله
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
كفى خداعًا للضمير…
الانتحار ليس “قرارًا مفاجئًا”،
بل جريمة طويلة بدأت قبلها بوقتٍ طويل ولم يوقفها أحد
.
نحن لا نواجه حالات فردية…
نحن أمام مجتمعٍ كاملٍ يتفرج على الانهيار،
ثم يتساءل بدهشة باردة: “كيف حدث هذا؟”
كيف حدث؟
حدث حين صرخ الإنسان ولم يسمعه أحد.
حدث حين اشتكى فقوبل بالاستهانة.
حدث حين انكسر بصمت، ولم يجد من يلتقط شظاياه.
لا أحد “يقرر الموت” فجأة…
بل هناك طريق طويل اسمه: تجاهل… قسوة… ضغط… وحدة… ثم انهيار.
ثم نأتي نحن بعد كل شيء،
لنكتب: “كان يعاني من ضغوط نفسية”
…
ونغلق الملف وكأننا أبرأنا ذمتنا!
أي ضمير هذا الذي يرتاح بعد الفقد؟
وأي مجتمع هذا الذي لا يتحرك إلا بعد الكارثة؟
نحن نتحدث عن التنمية والاقتصاد والمؤشرات…
لكننا نتجاهل السؤال الأخطر:
كم إنسانًا ما زال قادرًا على الاحتمال أصلًا؟
الانتحار ليس ضعفًا كما يظن البعض…
ولا “نقص إيمان” كما تُلقى التهم بسهولة مؤذية.
بل في كثير من الحالات هو: نتيجة بيئة لم تحتوِ، وقلوب لم ترحم، ومنظومة لم تحمِ الإنسان.
الدين لم يأتِ ليُدين المنكسرين…
بل ليمنع أسباب الانكسار من الأساس:
الظلم، القسوة، أكل الحقوق، وترك الإنسان وحده حتى يسقط.
قال الله تعالى:
﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾
لكن أين رحمتنا نحن من بعضنا البعض؟
أين الأسرة التي تحتضن بدل أن تضغط؟
أين المجتمع الذي يسمع بدل أن يحكم؟
أين اليد التي تمتد قبل أن نفقد الإنسان للأبد؟
الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من هؤلاء لم يريدوا الموت…
بل أرادوا فقط أن يتوقف الألم.
لكن الألم حين يُترك بلا احتواء…
يتحول إلى قرار لا رجعة فيه.
السكوت هنا ليس حيادًا…
بل مشاركة في الجريمة بصمتٍ بارد.
يكفي أن ندفن الإنسان مرتين:
مرة حين يموت…
ومرة حين نتجاهل لماذا مات.
إن لم نعد للإنسان قيمته…
وللرحمة مكانها…
وللاحتواء معناه الحقيقي…
فسنستيقظ كل يوم على خبر جديد…
ونعتاد…
حتى نفقد إنسانيتنا دون أن نشعر.
الوطن ليس إنجازات تُكتب…
الوطن الحقيقي هو إنسان لا يفكر في إنهاء حياته.
رحم الله كل روحٍ أرهقها الألم،
وألهمنا أن نكون سبب نجاة لا سبب سقوط.
﴿ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا﴾
بقلم الشاعرة والأديبة / قدريه مصطفى