انزوى هشام فى ركنه البعيد فى
الاستوديو يجتر احزانه ويراقب التصوير و سير العمل فى البلاتوه ,و ينتظر من ةحين
لأخر ان يرسل اليه حسام من يستدعيه او يشير اليه من بعيد ليلحق به فى غرفته
استعدادا للانصراف, افاق من سرحانه ليكتشف انه ليس وحده , نعم , وجد بالقرب منه
فتاة سمراء نحيلة القد دقيقة القسمات يكاد شعرها الاسود الناعم الطويل ان يصل
منتصف ظهرها , ترتدى جينس ازرق ضيق وفوقه تى شرت اصفر مكتوب عليه باللون الاسود
عبارة " لا تلمسنى " باللغة الانجليزية ..., نظر اليها هشام مستفسرا بعد
ان وجدها تحملق فيه ...فقالت ضاحكة :
-
اخيرا استيقظت ؟ انا هنا من ييجى ساعة ولاحظت
استغراقك فى التفكير ولم اشأ ان ازعجك ...
-
اسمك ايه ؟
-
رحال , وانت هشام اليس كذلك ؟
ابدى اندهاشه فقالت :
-
انت مندهش من اسمى ام لانى اعرف اسمك ؟
-
من الاثنين .
-
اسمى رحال , اطلق والدى على هذا الاسم و هو ليسمن
بنات افكاره , كان له صديق من بلدنا عمل فى معظم الدول العربية , التصقا
وتزاملا وعندما وضعتنى امى وعلم انها وضعتنى انثى قال لوالدى سميها رحال فهذا قدرى وقدرك , نعم فوالدى ايضا تغرب داخل
مصر وخارجها ...اما كيف عرفت اسمك فهذا سهل فوالدى هو المدير الفعلى لهذا المكان ,
دهك من المسميات فبالفعل يوجد مدير اخر مسئول عن الاستوديو ولكن والدى هو دينامو
البلاتوهالذى يعرف خباياه وكل صغيرة وكبيرة
ومن ذلك ان اسمك هشام وانك تعمل مع الاستاذ حسام , والدى هو الاستاذ عبد
الظاهر الذى يقف بجوار الشاريو – واشارت بسبابتها الى رجل اسمر نحيل ربما تجاوز
الخمسين بسنوات قليلة ...
-
وانت ماذا تفعلين فى هذه الحياة ؟
-
انا طالبة فى معهد الفنون المسرحية واحضر الى هنا من حين لأخر مع والدى لأعيش فى
الجو ...نوع من التمرين يعنى ..
-
وابوكى ممكن يوافق انك تشتغلى فى السينما ؟
-
مش عارفة , لكن هو عندما وافق على دخولى المعهد كان
لسببين , اولا مجموعى ما جابش غير كدة , وثانيا لأنى اقنعته انى غاوية اخراج مسرحى
...حاولت التحق بمعهد السينما ولكن رسبت فى الاخنبار ...رغم الواسطة !
قطع حديثهما حسن الريجيسير الذى
اشار الى هشام بما معناه ان حسام يريده
-
انا سعيد بمعرفتك يا رحال , مضطر امشى مع حسام ,
حاشوفك تانى ؟
-
ضرورى ...انا هنا كل ثلاثاء .
000000000000000000000000000000000
" قابلت هشام ذلك اليوم
...توقفت بسيارتى الصغيرة و ناديته ودعوته لأن اوصله الى اى مكان ....ركب وكان اول
شىء قاله :
-
عامل ايه فى الطب ؟
-
الحمد لله كويس اتعينت فى الكلية و قربت اخلص
ماجستير ...
-
هايل وبتأخذ كام ؟
-
مثل اى موظف حكومى , حاجة بسيطة كدة ...
-
وقابل بالعيشة دى ؟
-
انا بابنى لنفسى مستقبل وكارييرفلاوم اتحمل شوية ...المهم
انت عامل ايه ؟
انتفخت اوداجه وقال :
-
انا بأشتغل مساعد مخرج مع قريبى حسام
الالفى...شغالين دلوقت فى فيلم بطولة سهير فوزى , حايكسر الدنيا ...
-
اذا فقدت وجدت نفسك فى هذه المهنة وتريد ان تستمر
فيها ؟
-
اعتقد انها تناسبمى وتناسب هواياتى واهتماماتى
...هذا بالاضافة الى سحر جو الوسط الفنى , الليل والسهر ...انت فاهم طبعا ..
-
وهل تنوى ان تدرس شيئا عن هذا المجال ؟ اعتقد ان هذا
ضرورى ...
-
أكيد طبعا ...الحقيقة هم ناويين يرسلونى الى ايطاليا
او فرنسا لدراسة الاخراج السينمائى على
اصوله , فللينى وليلوش وغيرهم مش الدراسة
ال اىكلام اللى هنا !!
طبعا الكلام لم يعجبنى , لهجة
التعالى والتى أظن انه لا يتكلم بها الا معى , شبهة وجود مبالغة فى مسالة انه
مساعد مخرج وهو بدون شهادة او دراسة الا
اننى سعدت لنه اخيرا وجد شيئا يتحدث عنه بحماس
وقلت لنفسى من يدرى ربما وجد الشاب
الحائر طريقا يسير فيه ؟
0000000000000000000000000000000000
" للمرة الثانية اراد هشام ان
يلعب دور الرجل الذى يرسم للناس مصائرهم ويلعب بأدمغتهم وللمرة الثانية ايضا يفشل بنجاح منقطع
النظير وللمرة الثانية
يقلدنى او يضعنى نصب عينيه وهو لا يدرى حجم الفارق بيننا ....
علاقته برحال كانت شيئا فى منتهى
اللطف , فتاة مرحة وبسيطة وطموحها
محدود و اعتقد انها كانت تحبه
بصدق واعتقد انه كان يميل اليها ويجد شيئا
من المتعة فى وجودها معه ...كانت
هذه العلاقة مع عمله مع حسام الالفى
نسمة صيف لطيفة فى عز الحر هبت عليه لتضيف الى حياته الكثير من
البهجة ...وفر له العمل مع حسام
لقمة عيش لا بأس بها بالاضافة الى كينونة
اضاف اليها هو من خياله الكثير من اللامعقول ,
ووفرت له علاقته برحال
غطاءا عاطفيا يقيه من تقلبات
مشاعره , مشاعر الحنق الشديد على وضع
يعتقد ان ليس له يد فيه ...و مشاعر
حب قديم استنتجت انا انه يكنه لنهى التى
مزقت قلبه بسكين بارد بزواجها من
شخص لا يكن له الا الكراهية وهو اكرم
ثابت !!
اكان لابد اذا ان يتفلسف ويتقمص دور المفكر او لنقل يرتدى قميصى
ويقنع رحال بأن تحاول السير فى طريق لم تفكر فيه من قبل ؟
كانت الفتاة راضية و قانعة بأن
تستمر حياتها على قدر طموحها العادى و
تتخرج من معهد الفنون المسرحية و
بالواسطة يتم تعيينها فى احد مسارح
الدولة لتاخذ دورها ولعلها يوم ما
تصبح مخرجة مسرحية حقيقية , لعب هشام
فى دماغها و اخبرها – حسب روايته –
انه يشاهد السينما العالمية بالاضافة
الى متابعته شأن الملايين للسينما
العربية و انه وجد ان الاتجاه الحديث هو
ان المنتجين والمخرجين يبحثون الان عن وجوه عادية و معبرة لان السينما
الان هى سينما الواقع , قال لها ان زمن الجميلات الغير
تقليديات مثل
نجلاء فتحى وميرفت امين ومن قبلهما سعاد ونادية قد انتهى ...زمن النجمة
التى هى فتاة احلام اى شاب
والذى قلدناه من افلام هوليوود حتى الستينات
والسبعينات قد ولى
ونحن الان متجهين الى زمن نجمات شكلهن لطيف
ومقبول و لكن عادى , انظرى الى
معالى زايد واسعاد يونس وفى السينما
العالمية انظرى الى باربرا
سترايسند ...باختصار انا ارى انك لابد ان تفاتحى
والدك فى ضرورة ان يستغل وجوده وحب الناس له فى الوسط الفنى ويجد
لك فرصة , دور ولو صغير فى فيلم
جيد , يفتح لك بعد ذلك الابواب المغلقة
طير النوم من عيتيها , راحت المسكينة تحلم بالمستقبل الجديد الذى الذى
اقنعها هو بأنها جديرة به ...راحت
الى والدها وفاتحته بعد تردد , غضب
بداية و اخبرها ان عاداته وتقاليده
التى نشأ عليها لا تسمح لأبنته ان تعمل فى
هذا المجال وانه كان حريا بها ان تعرف ذلك من تلقاء نفسها
, غضبت
وبكت وانزوت ولم تعد تجىء معه الى
الاستوديو ....هو يحبها ويكره ان
تخاصمه ويكره ايضا ان يغضبها وهى يتيمة الام , فتح
معها الموضوع مرة
اخرى لعله يقنعها فما كان منها الا ان اقنعته هى بفكرتها : لماذا
لا تحاول
ومم تخاف , انت معى فى الاستوديو
وستكون معى اينما كنت ,الحارس
الامين ولن يجرؤ احد على ان يتعدى حدوده وانت معى .
اقتنع الرجل
البسيط وربما عاش هو ايضا فى الحلم ...تكلم مع حسام
ومع غيره فلم يجدوا
ما يمنع من تجربة الفتاة وربما اسناد دور صغير لها يجاملون به الرجل ,
اجروا لها اختبارات كاميرا
وتجاوزوا عن الكثير فرحال بالرغم من ان بها
شىء من الجمال الا ان الكاميرا لم تستطع اخفاء بعض اوجه القبح
فى
وجهها وفى جسدها النحيل اما عن اختبارات التمثيل فقد فشلت فيها بدرجة
امتياز , حتى ان الحضور ذات يوم لم
يتمكنوا من ان يكتموا ضحكاتهم من
المبالغة فى الاداء – الافورة –
التى تفوقت فيها رحال وحسب رواية هشام
نفسه ان, مجاملة للرجل الطيب عم عبد الظاهر, قامت
رحال باداء دور فى
الفيلم الحالى وصرف لها حسام اجرها من جيبه الخاص ثم امر بحذف
المشاهد التى ظهرت فيها والغاء الدور تماما من السيناريو !!!
وبما ان الحقائق لا يمكن اخفائها
الى الابد, فقد وصل الى مسامعها خبر حذف
المشاهد التى ظهرت فيها فكانت
صدمتها قاسية ولم تحضر للاستوديو ابدا
بعدها , اما عن علاقتها بهشام فلم
يحدثنى هو عنها بعد ذلك مطلقا !!!
وهكذا اطاح هشام بسكينة وهدوء نفس
رحال كما اطاح بهما من قبل مع
جلال شحتة !!!
00000000000000000000000000000000000000000
لم تياس انهار من محاولة اقتفاء
اثر اشرف كمال ...اتصلت بكيكو
واستفسرت منه عن اى سبيل للقاء
اشرف فاخبرها بانه قد علم مثلما علم
الجميع بنبأ دخوله المصحة ولكنه لا
يعرف اى مصحة بالظبط ..الا انه
وعدها ان يستعلم من هشام , وكانت
نجوى خلف الله قد فضفضت بمكان
تواجد اشرف وخطة علاجه لهشام فلم يكذب خبرا وحكى باستفاضة لنديمه
كيكو !!
تحايلت انهار و استغلت كل ما أوتيت
من لؤم ودلال وحتى اغراء حتى
استطاعت ان تصل الى غرفة اشرف فى
المصحة , وكأنما قد عادت الروح
الى جسده , ابتسم لأول مرة ربما
منذ ما يقرب من شهر والتهم كل الطعام
الذى اعدته له منذ الامس مع ان الامل فى لقائه كان ضعيفا ...
حكى لها عما حدث له خلال الشهر
المنصرم واسهب فى وصف الالام التى
يعانيها من جراء الامتناع عن
الهرويين وقصت عليه هى حكاية الصفعة
التى ظفرت بها من مساعد والده والتى لا تزال تتذكرها بالطنين الذى لم
يفارق أذنها , ضحكت عاليا ثم قالت وهى تراقبه يضع صباع محشى كرنب
فى فمه :
-
والله العظيم ابوك ده راجل جدع بصحيح والتصرف اللى عمله معاك يدل
على انه بيحبك بجد , تفتكر كان ممكن تبطل من غير مصحة ؟
-
الحمد لله , انا حاسس انى
حاخف , لأنى عايز كدة فعلا , المهم انت عاملة
ايه ؟
-
ولا حاجة رجعت الشغل على
خفيف , لكن والله لو لقيت شغلانة نضيفة
والله حاشتغلها ....اشرف
انا فى منتهى السعادة انى شفتك ووالله
العظيم انا
مش عايزة
حاجة منك غير انك تكون جانبى ومبسوط وبخير ...
بكى اشرف بحرقة وهو لا يدرى هل يبكى على حاله وما وصل اليه
ام
يبكى تأثرا لأن الوحيدة التى سألت
عنه من خارج عائلته وبذلت جهدا جبارا
لتعثر عليه هى انهار وليس واحدا
ممن اكلو وشربوا وحششوا وغنوا
ورقصوا فى سهرات انفق هو عليها من
الالف الى الياء ...
0000000000000000000000000000000000000000
ضاق حسام ذرعا بعمل هشام معه !! هو
لا ينكر انه يستفيد منه احيانا, فهو
يثق فيه عند اختيار ملابسه ويثق فيه اذا اراد ان يتخلص من ملاحقة بعض
المنتجين اللذين يرغب فى التخلص منهم ولو الى
حين وايضا حين يريد
ابعاد معجبة من المعجبات انتهى
دورها وان الاوان استبدالها بمعجبة جديدة !
الا انه لم يعد بامكانه تحمل
سخافاته , هو لا يكف عن قوله لكل الناس انه
قريبه ويذكر ذلك بمناسبة وبدون مناسبة ولا يكف ايضا عن الادعاء بانه
مساعد مخرج مع انه حذره الف مرة من ذلك , كما انه اكتشف انه يستغل
اسمه وعمله معه فى اقامة علاقات مع فتيات وايهامهن بأنه يستطيع
ان
يدخلهن الى عالم السينما والنجومية
عن طريق قريبه المخرج الواعد حسام
الالفى ...وهو بهذا يستلهم سيرة
شخصية معروفة فى الوسط الفنى هو ماهر
نصر الذى ذاع صيته كدون جوان مزواج
لا يشق له غبار !!
وكان حسام قد اكتشف بالصدفة علاقة
هشام بحادث محاولة انتحار رحال عبد
الظاهر ...حاولت الفتاة قطع شرايين
يدها وتم نقلها الى المستشفى وبعد
انقاذها تم التحقيق معها فاعترفت بمحاولة الانتحار معللة ذلك بانها شعرت
بالخجل من نفسها وبالاحباط عندما
اخبرها هشام "مساعد المخرج "
ان مشاهدها فى الفيلم قد حذفت وان الاجر الذى تقاضته عن دورها قد دفعه
حسام من جيبه لأنه لم يستطع اقناع المنتج بها كممثلة !!
وبقى سؤال يطن فى دماغ حسام طنين نحلة
دؤوب , لماذا اخبرها هشام بذلك
وقد ائتمنه هو على هذا السر و شرح له
انه لا يريد ان يجرح مشاعر فتاة فى
مقتبل
العمر ؟
مالم يعرفه حسام ابدا هو ان هشام
كان قد تعلق بصورة ما بالفتاة وبادلته هى
هذه المشاعر ولكنه فكر بطريقة عملية فى ان اى خطوة للارتباط
بها هى
خطوة للوراء !! فمهما كان تعسر
والده المالى الا انه فى النهاية ينتمى الى
اسرة لها اسمها ووزنها ولن يرضى
والده باى حال من الاحوال ان يرتبط
ابنه بفتاة هى ابنة رئيس عمال هذا اذا كان اصلا له اى نية فى الارتباط بفتاة
لن تضيف اليه شيئا وهو الذى يتوق لأن يصنع لنفسه كيانا وقيمة ...
قاده تفكيره الى ما اعتاد عليه
ربما طوال حياته , و هو الاستفادة من اى
فرصة تواتيه ...وهاهى الفتاة تبوح
له بشغفها به وتتمنى ان تسمع منه كلمة
تبث فيها روح الامل ...صارحها
بحبه وقبل ان يشطح بها الخيال وتتوقع
منه ان يتخذ الخطوة الاولى كان هو يحدثها عن الواقع والمجتمع والدين
والتقاليد وهذه الترهات – على حد قوله – التى ستمنع متحابين
من ان
يجتمعا وان العقل المستنير يدعوهما ان يتحديا
المجتمع والواقع و يندمجا
معا فى كيان هو اقرب للنموذج الغربى والذى طالما مدح لها فيه من قبل
يرتبطا سويا ك "بوى وجيرل
فرند " ولا داعى لزواج ولا هم يحزنون !!!
فلما لم تفهم منه ما يريد بوضوح
دعاها صراحة لاقامة علاقة جنسية فى شقة
حسام بالزمالك والتى ستكون خالية لمدة شهر كامل لان صاحبها
سيسافر الى
امريكا فى زيارة لشقيقته ... بعد اندهاش وذهول
وعلامات تعجب واستفهام
كثيرة منها وعدم صدور اى رد فعل منه , قالت له بوضوح
وسخرية انها
غير موافقة على ذلك وانها نادمة على اعترافها له بحبها منذ دقائق ...جن
جنونه فلم يكن يتصور ان الفتاة الرقيقة الحال المتواضعة الاصل يمكن ان
تكون لها ارادة غير ارادته فكان ان قال لها : هل ظننت نفسك نجمة ؟!
والقى فى وجهها بالقنبلة !!!
لم يعلم حسام ابدا بهذه القصة ولكنه وجد نفسه امام شخص
يسبب له من
المتاعب بأكثر مما يفيده , قرر- بعد ان استأذن من نجوى - ان يستغنى عن
خدماته ...وفعل ذلك بطريقة نبيلة ,
اخبره ان الفيلم الأاخير لم يحقق له ما
يصبو اليه من نجاح وانه بحاجة الى مراجعة للنفس وانه غالبا سيسافر الى
لبنان او تركيا لاعادة النظر فى كل شىء ...اعطاه مرتب شهرين
كمكافأة و
تمنى له التوفيق !!
000000000000000000000000000000000000