الأخبار العاجلة

عاجل
    عاجل

      Thursday, June 18, 2026

      القضية الخامسة ...... بقلم الأديب / سالم غانم

       





      القضية الخامسة

      قتل القارئ
      مقدمة القضية
      لم يكن الأدب يوماً سباقاً في استعراض المعرفة،
      ولا مسابقة في جمع الكلمات الغريبة والمصطلحات الثقيلة. لقد وُجدت الكتابة لتقرب الإنسان من الفكرة،
      لا لتبعده عنها،
      ولتضيء الطريق أمام القارئ، لا لتزيد عتمته.
      لكن بعض النصوص الحديثة اختارت طريقاً آخر.
      طريقاً تمتلئ صفحاته بالمفردات المتكلفة،
      والجمل المتشابكة، والمصطلحات التي تحتاج إلى قاموس لفهم قاموسها.
      حتى أصبح القارئ يشعر أحياناً أنه أمام لغز،
      لا أمام نص أدبي.
      ولهذا اجتمعت محكمة الحروف للنظر في قضية غريبة:
      قضية قتل القارئ.
      الحكاية
      كان هناك شاب يحب القراءة.
      يدخل المكتبات كما يدخل العطشان إلى نبع ماء.
      وفي أحد الأيام اشترى كتاباً أثنى عليه الجميع.
      قيل له إنه عمل استثنائي.
      وإن صاحبه مفكر كبير.
      عاد إلى منزله متحمساً.
      فتح الصفحة الأولى.
      قرأ السطر الأول.
      ثم أعاده مرة ثانية.
      ثم ثالثة.
      ثم أغلق الكتاب.
      ظن أن التعب هو السبب.
      وفي اليوم التالي حاول من جديد.
      لكنه وجد نفسه يغرق في بحر من الكلمات المعقدة والعبارات المتداخلة.
      وبعد أيام قال بحزن:
      "ربما المشكلة فيّ...
      ربما لم أعد أفهم الأدب."
      فأغلق الكتاب.
      ولم يعد إلى القراءة شهوراً طويلة.
      وهكذا لم يقتل النص وقت القارئ فقط...
      بل كاد يقتل رغبته في القراءة.
      افتتاح الجلسة
      ضرب حاجب المحكمة مطرقته قائلاً:
      "لتنعقد الجلسة الخامسة من محكمة الحروف."
      دخل القاضي "الضمير الأدبي".
      ثم نادى الحاجب:
      "المتهم: النص المتعالي."
      دخل المتهم مرتدياً ثوباً طويلاً من الكلمات الصعبة والمصطلحات الأجنبية.
      وكان ينظر إلى الجميع من أعلى.
      المدعي العام
      وقف المدعي العام وقال:
      سيدي القاضي...
      إن المتهم لم يكتب ليُفهم.
      بل كتب ليُعجب بنفسه.
      لقد جعل اللغة جداراً بدلاً من أن يجعلها جسراً.
      وحوّل الثقافة إلى استعراض.
      وأوهم كثيرين أن الغموض دليل العمق.
      وأن التعقيد علامة العبقرية.
      حتى بدأ القراء يبتعدون عن الكتب خوفاً من الشعور بالعجز.
      محامي الدفاع
      نهض محامي الدفاع وقال:
      سيدي القاضي...
      ليس كل نص سهل نصاً عظيماً.
      وليس كل نص عميق يمكن اختصاره.
      ثم إن بعض الأفكار تحتاج إلى لغة خاصة.
      وربما المشكلة في القارئ لا في الكاتب.
      استجواب القاضي
      نظر القاضي إلى المتهم وسأله:
      لمن تكتب؟
      قال:
      للنخبة.
      قال القاضي:
      وكم نخبة بقيت تقرأك؟
      فسكت.
      ثم سأله:
      هل هدفك أن يفهمك الناس؟
      قال:
      ليس بالضرورة.
      فقال القاضي:
      إذن أنت لا تبحث عن التواصل...
      بل عن الإعجاب.
      الشاهد الأول
      نادى الحاجب:
      الشاهد الأول...
      "القارئ."
      دخل رجل بسيط يحمل كتاباً بيده.
      قال القاضي:
      ما شكواك؟
      قال:
      كنت أحب القراءة.
      لكن بعض الكتب جعلتني أشعر أنني غريب في عالم الحروف.
      كنت أبحث عن فكرة.
      فوجدت متاهة.
      وبحثت عن معنى.
      فوجدت استعراضاً.
      الشاهد الثاني
      نادى الحاجب:
      الشاهد الثاني...
      "اللغة العربية."
      دخلت امرأة مهيبة ترتدي ثوباً من نور.
      قال القاضي:
      ما شهادتك؟
      قالت:
      لقد خُلقت لأكون وسيلة للفهم.
      لا وسيلة للتفاخر.
      أجمل ما فيّ الوضوح حين يحتاج المقام إلى الوضوح.
      والعمق حين يحتاج المقام إلى العمق.
      أما التكلف فقد كان دائماً عدواً للجمال.
      المرافعة الأخيرة
      قال المدعي العام:
      إن الثقافة الحقيقية تجعل الأفكار أكثر وضوحاً.
      أما الثقافة الزائفة فتجعلها أكثر تعقيداً.
      وقال محامي الدفاع:
      لكن البساطة ليست دائماً فضيلة.
      فأجاب المدعي العام:
      صحيح...
      لكن الغموض ليس فضيلة أيضاً.
      الحكم
      وقف القاضي.
      وساد الصمت في القاعة.
      ثم قال:
      بعد الاستماع إلى الشهود والمرافعات...
      ثبت للمحكمة أن المتهم استخدم المعرفة وسيلة للتعالي لا للتواصل.
      وجعل بعض النصوص مغلقة أمام القراء.
      وحيث إن الأدب رسالة قبل أن يكون استعراضاً...
      فإن المحكمة تحكم بما يلي:
      إلزام النص المتعالي بالنزول من برجه العاجي.
      وإعادة الاعتبار للوضوح دون التفريط بالعمق.
      والتأكيد أن أعظم الكتّاب هم أولئك الذين استطاعوا أن يقولوا الأفكار الكبيرة بلغة تصل إلى الناس.
      رفعت الجلسة.
      كلمة الحكواتي
      وأنا أغادر المحكمة تذكرت بئراً قديمة في قريتنا.
      كان ماؤها عذباً وبارداً.
      يشرب منها الجميع.
      وفي الجهة الأخرى نافورة رخامية فاخرة لا يصل إليها أحد.
      سألت شيخاً عجوزاً:
      أيّهما أنفع؟
      فقال:
      الماء لا يُقاس بشكل الإناء...
      بل بقدرته على إرواء العطش.
      وعندها فهمت أن الكلمة تشبه الماء.
      فكلما وصلت إلى الناس بصدق، ازدادت قيمة.
      أما إذا انشغلت باستعراض نفسها...
      فقد تنال الإعجاب، لكنها لا تروي أحداً.